لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

أخبر أنَّ علومَ الناسِ متقاصرةٌ عن عددهم ؛ فالأحوالُ التي لا يطلع عليها إلا الله في أسرارهم وقلوبهم . . . متى يكون للخَلْق عليها إشرافٌ ؟

أشكل عليهم عددهم ، وعددهم يُعْلَم بالضرورة ، وهم لا يُدْرَكُون بالمشاهدة .

ويقال سَعِدَ الكلبُ حيث كَرَّرَ الحقُّ - سبحانه - ذِكْرَهم وذكَرَ الكلبَ معهم على وجه التكرار ، ولمَّا ذَكَرَهم عَدَّ الكلب في جملتهم .

قوله جلّ ذكره : { قُل رَّبِىَ أَعَلَمُ بِعِدَّتِهِم ما يَعلَمُهُمْ إلاَّ قَلِيلٌ } .

لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواص عباده ، ومَنْ كان قريباً في الحال منهم ؛ فهم في كتم الغَيْرَة وإيواء الستر لا يَطَّلعُ الأجانبُ عليهم ؛ ولا يعلمهم إلا قليلٌ ؛ لأنَّ الحق - سبحانه يستر أولياءه عن الأجانب ، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة ، فالأجانب لا يعرفون الأقارب ، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب . كذلك قال شيوخ هذه الطائفة : " الصوفية أهل بيتٍ واحدٍ لا يدخل فيهم غيرهم " .

قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَسْتفِتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً } .

كما لا يعرفهم من كان بمعزلٍ عن حالتهم ، ولا يهتدي إلى أحكامهم من لا يعرفهم . . فلا يصحُّ استفتاءُ مَنْ غاب علمهم عنه في حالهم . ومَنْ لم يكن قلبُه محلاً لمحبة الأحباب لا يكون لسانُه مقراً لذكرهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

{ 22 } { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا }

يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف ، اختلافا صادرا عن رجمهم بالغيب ، وتقولهم بما لا يعلمون ، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال :

منهم : من يقول : ثلاثة ، رابعهم كلبهم ، ومنهم من يقول : خمسة ، سادسهم كلبهم . وهذان القولان ، ذكر الله بعدهما ، أن هذا رجم منهم بالغيب ، فدل على بطلانهما .

ومنهم من يقول : سبعة ، وثامنهم كلبهم ، وهذا -والله أعلم- الصواب ، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله ، فدل على صحته ، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته ، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس ، دينية ولا دنيوية ، ولهذا قال تعالى :

{ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ } وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم . { فَلَا تُمَارِ } أي : تجادل وتحاج { فيهم إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } أي : مبنيا على العلم واليقين ، ويكون أيضا فيه فائدة ، وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب ، أو التي لا فائدة فيها ، إما أن يكون الخصم معاندا ، أو تكون المسألة لا أهمية فيها ، ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها ، كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك ، فإن في كثرة المناقشات فيها ، والبحوث المتسلسلة ، تضييعا للزمان ، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة .

{ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ } أي : في شأن أهل الكهف { مِنْهُمْ } أي : من أهل الكتاب { أَحَدًا } وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن ، الذي لا يغني من الحق شيئا ، ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى ، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه ، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به ، وليس عنده ورع يحجزه ، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس ، فنهيه هو عن الفتوى ، من باب أولى وأحرى .

وفي الآية أيضا ، دليل على أن الشخص ، قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء ، دون آخر . فيستفتى فيما هو أهل له ، بخلاف غيره ، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا ، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف ، وما أشبهها .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

قوله تعالى : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف ، فقال السيد - وكان يعقوبياً - : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقال العاقب - وكان نسطورياً - : كانوا خمسة سادسهم كلبهم ، وقال المسلمون : كانوا سبعة ثامنهم كلبهم ، فحقق الله قول المسلمين بعد ما حكى قول النصارى ، فقال : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب } ، أي : ظناً وحدساً من غير يقين ، ولم يقل هذا في حق السبعة ، فقال : { ويقولون } يعني المسلمين { سبعة وثامنهم كلبهم } . اختلفوا في الواو في قوله : { وثامنهم } قيل : تركها وذكرها سواء . وقيل : هي واو الحكم والتحقيق ، كأنه حكى اختلافهم ، وتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ، ثم حقق هذا القول بقوله { وثامنهم كلبهم } والثامن لا يكون إلا بعد السابع . وقيل : هذه واو الثمانية ، وذلك أن العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية ، لأن العقد كان عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة ، نظيره قوله تعالى : { التائبون العابدون الحامدون } إلى قوله : { والناهون عن المنكر } [ التوبة – 112 ] ، وقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً } [ التحريم – 5 ] . { قل ربي أعلم بعدتهم } أي : بعددهم { ما يعلمهم إلا قليل } أي : إلا قليل من الناس . قال ابن عباس : أنا من القليل ، كانوا سبعة . وقال محمد بن إسحاق : كانوا ثمانية . قرأ : { وثامنهم كلبهم } أي : حافظهم ، والصحيح هو الأول . وروي عن ابن عباس أنه قال : هم مكسلمينا ، وتمليخا ، ومرطونس ، وبينونس ، وسارينونس ، وذونوانس ، وكشفيططنونس ، وهو الراعي ، والكلب قطمير . { فلا تمار فيهم } أي : لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم ، { إلا مراءً ظاهراً } ، إلا بظاهر ما قصصنا عليك ، يقول : حسبك ما قصصت عليك ، فلا تزد عليه ، وقف عنده { ولا تستفت فيهم منهم } من أهل الكتاب { أحداً } أي : لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك .

/خ23