لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (111)

لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أَنفسهم وأموالهم لحُكْمِ الله ، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض ، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظَ الاشتراءِ ، وقد قال تعالى :{ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ . . . }[ الصف : 10 ] ، وقال :

{ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ }[ البقرة : 16 ] .

وفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه ، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها . كما أَنَّ مَنْ لم يستَحْدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع .

وللمقال في هذه الآية مجال . . . فيقال : البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع ، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليمِ النَّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع ، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء .

ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدَّاً ! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة ؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ ، ونظرُه له أبلغَ ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة ، ما لا يخفى ، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره .

ويقال إنما قال : { اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } ولم يقل " قلوبهم " لأنَّ النَّفْسَ محلُّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها ، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة ، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته .

ويقال النَّفْسُ محلُّ العيب ، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره .

ويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده ، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه .

وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام - : يا بني آدم ، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليَّ .

ويقال اشترى منهم نفوسَهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسَهم ، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً ، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل ، وفي معناه أنشدوا :

بُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو *** عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُج

ليس يُسْتَحْسَنُ في حكم الهوى *** عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَج

وكان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول : " لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته ، والوقفُ لا يُشترى " .

ويقال الطيرُ في الهواء ، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما ، كذلك القلبُ . . صاحبُه لا يمكنه تسليمه ، قال تعالى :

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ }[ الأنفال : 24 ] .

وفي التوراة : " الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ " .

ويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك ، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك .

ويقال ليس للمؤمن أن يتعصب لنفسه بحال لأنها ليست له ، والذي اشتراها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبي .

ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يدعي العبد فيها ، فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يعجب بها .

قوله :{ فيقتلون ويقتلون } سيان عندهم أن يقتلوا أو يقتلوا ، قال قائلهم :

وإن دما أجريته لك شاكرا *** وإن فؤادا خرته لك حامدا

ويقال قال :{ فاستبشروا ببيعكم } ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن منا بيع ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله :{ إن الله اشترى من المؤمنين } فجعل بيعه بيعنا ، وهذا مثلما قال في صفة نبيه- صلى الله عليه وسلم - :{ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( الأنفال :17 ) وهذا عين الجمع الذي أشار إليه القوم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (111)

{ 111 } { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

يخبر تعالى خبرا صدقا ، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة ، ومعاوضة جسيمة ، وهو أنه { اشْتَرَى ْ } بنفسه الكريمة { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ْ } فهي المثمن والسلعة المبيعة .

{ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ْ } التي فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح ، والمسرات ، والحور الحسان ، والمنازل الأنيقات .

وصفة العقد والمبايعة ، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه ، لإعلاء كلمته وإظهار دينه ف { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ْ } فهذا العقد والمبايعة ، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات .

{ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ْ } التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم ، وأعلاها ، وأكملها ، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم ، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق .

{ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا ْ } أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه ، { بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ْ } أي : لتفرحوا بذلك ، وليبشر بعضكم بعضا ، ويحث بعضكم بعضا .

{ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ْ } الذي لا فوز أكبر منه ، ولا أجل ، لأنه يتضمن السعادة الأبدية ، والنعيم المقيم ، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات ، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة ، فانظر إلى المشتري من هو ؟ وهو اللّه جل جلاله ، وإلى العوض ، وهو أكبر الأعواض وأجلها ، جنات النعيم ، وإلى الثمن المبذول فيها ، وهو النفس ، والمال ، الذي هو أحب الأشياء للإنسان .

وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع ، وهو أشرف الرسل ، وبأي كتاب رقم ، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق .