لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

إذا جاء القضاءُ لا ينفع الوعظ والحذر ؛ فإن النصيحة والحذر لا يزيدان على ما نصح يعقوب ليوسف عليهما السلام ، ولكن لمَّا سبق التقديرُ في أمر يوسف - عليه السلام - حصل ما حصل .

ويقال إن يوسف خَالَفَ وصية أبيه في إظهارِ رؤياه إذ لو لم يُظْهِرْها لما كادوا له ، فلا جَرَم بسبب مخالفته لأبيه - وإن كان صبياً صغيراً - لم يَعْرَ مِنَ البلايا .

ويقال لما رأى يوسف في منامه ما كان تأويلُه سجودَ الأخوة له رأى ما تعبيره : وسجود أبيه وخالته حيث قال تعالى : { وَالْشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } ؛ فدخل الإخوة الحَسَدَ أما الأب فلم يدخله إلا بنفسه لِفَرْطِ شفقة الأبوة .

ويقال صَدَقَ تعبيره في الإخوة فسجدوا له حيث قال : { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَاً } [ يوسف :100 ] ولم يسجد الأبُ ولا خالته حيث قال : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ }

[ يوسف :100 ] فإن يوسفَ صانَهما عن ذلك مراعاةً لحشمة الأبوة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

المفردات :

فيكيدوا : فيحتالوا لإهلاكك حيلة ، وأصل الكيد : هو الاحتيال على إنسان لإيقاعه .

التفسير :

5 { قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .

ألهم الله يعقوب تأويل الرؤيا ، وفهم منها : أن يوسف سيكون له شأن عظيم في المستقبل ، حيث ترمز الكواكب الأحد عشر إلى : إخوته ، والشمس والقمر إلى : أبيه وأمه ، وأن الجميع سيعظمونه ويسجدون له سجود انحناء وتعظيم لا سجود عبادة .

وإذا أخبر إخوته بذلك ؛ أدى إلى إثارة نوازع الحسد والغيرة والكيد ، والتدبير للإيذاء في خفاء ؛ فربما أدى ذلك إلى هلاك يوسف أو إيذائه . والشيطان يوسوس للإنسان بالشر ويغريه بالمعصية ، وهو عدو مبين للإنسان . يستدرجه إلى المعصية استدراجا . قال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } . ( فاطر : 6 ) .

لذلك نهى يعقوب عليه السلام ابنه يوسف عن أن يقص رؤياه على إخوته ، وأمره أن يمسك عن الخوض في هذا الموضوع ، الذي يثير نوازع الحسد والغيرة ، ويحرك في إخوته دواعي الشر والإيذاء ليوسف . حيث الشيطان يستدرج الإنسان إلى المعصية ، وقد أشار يوسف في ختام القصة إلى ذلك حيث قال : { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } . ( يوسف : 100 ) .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

فلما قصها على أبيه ، { قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك } ، وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الأخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان ، { فيكيدوا لك كيدا } ، فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك . واللام في قوله { لك } صلة ، كقوله تعالى : { لربهم يرهبون } [ الأعراف-154 ] . وقيل : هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك ، وشكرتك وشكرت لك . { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } ، أي : يزين لهم الشيطان ، ويحملهم على الكبد ، لعداوته القديمة .

أخبرنا عبد الواحد بن المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، ثنا علي ابن الجعد ، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال : سمعت أبا سلمة قال : كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعت أبا قتادة يقول : كنت أرى الرؤيا فتمرضني ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " الرؤيا الصالحة من الله تعالى ، والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ، ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ، ولا يحدث به أحدا فإنها لن تضره " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنبأنا أبو القاسم البغوي ، ثنا علي بن الجعد ، أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن عدس ، عن أبي رزين العقيلي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا جزء من أربعين أو ستة وأربعين جزءا من النبوة وهو على رجل طائر فإذا حدث بها وقعت ، وأحسبه قال : لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (5)

قوله : { قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } بني ، مصغر للشفقة والتحبب . ورؤيا بمعنى الرؤية ، إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة . { فيكيدوا } ، منصوب بإضمار أن على جواب النهي ، وعدي الفعل { فيكيدوا } باللام ، مع أنه مما يتعدى بنفسه . والتقدير : فيحتالوا لك بالكيد . وقيل : اللام للعلة . أي فيكيدوا من أجلك . و { كيدا } منصوب على أنه مصدر مؤكد . وقيل : مفعول به ؛ أي فيصنعوا لك كيدا{[2200]} .

وأما الكيد ، فمعناه المكر والخبث والحيلة{[2201]} ؛ فقد خشي يعقوب أن يحدث يوسف برؤياه أحدا من إخوته مما يثير في نفوسهم الحسد والكراهية فيسول لهم الشيطان أن يزلقوه في غائلة من الغوائل أو الشرور . من اجل ذلك نهاه يعقوب عليه السلام أن يقص رؤيا على إخوته كيلا يحتالوا له حيلة أو مكيدة أو خديعة تمسه فتؤذيه . وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ؛ فإن كل ذي نعمة محسود ) .

قوله : { إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } الشيطان خبيث وماكر ومخادع ، وهو أشد ما يكون كراهية للإنسان ؛ إذ يكيد له أبلغ الكيد في كل آن ، ويتحيل له طيلة الزمان أعتى الحيل والمكائد ليهوي بسببها في الهلكة والخسران سواء في الدنيا أو الآخرة ؛ فهو بذلك ظاهر العداوة لان آدم ، وهو من اجل ذلك لا يألو جهدا في إثارة الحسد لدى إخوة يوسف مما يسول لهم إيقاعه في النوائب أو في مهلكة من المهالك . مع أنهم من سلالة رسل عظام ، وقد نشأوا في بيت النبوة الطاهر . ولكنهم مع ذلك كان يمكن للشيطان أن يتدسس إلى نفوسهم الضعيفة فيسول لها ذميمة الحسد ويغويها بفعل المعاصي . وذلك يدل بما لا ريب فيه على أن إخوة يوسف ليسوا بأنبياء كما يزعم بعض القائلين بذلك . وذهب إلى عدم كونهم من النبيين أكثر العلماء من السلف والخلف ؛ فإنه لم ينقل عن الصحابة أو التابعين أنهم أنبياء . قال شيخ الإسلام بن تميمة في هذه المسألة : الذي يدل عليه القرآن واللغة والاعتبار أن إخوة يوسف عليه السلام ليسوا بأنبياء ، وليس في القرآن ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم بل ولا عن أحد من الصحابة ( رضي الله عنهم ) خبر بأن الله تعالى نبأهم . وغنما احتج من قال بأنهم نبئوا بقوله تعالى في آيتي البقة والنساء : { والأسباط } وفسر ذلك بأولاد يعقوب . والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته ، كما يقال لهم : نبو إسرائيل . وكما يقال لسائر الناس : بنو آدم{[2202]} .

ولو كان إخوة يوسف أنبياء كأخيهم لذكرهم لله بالثناء كما ذكر أخاهم . وكذلك فإن النبيين لهم من المكاره والمحامد ما يناسب منزلة النبوة . وقد أثنى رسولنا صلى الله عليه وسلم على نبي الله يوسف فقال : ( أكرم الناس يوسف بن يعقوب بم إسحق بن إبراهيم نبي ابن نبي ) فلو كان إخوته أنبياء لشاركوه في هذا الثناء والكرم .

على أن النبوة لا يليق بها البتة كبريات المعاصي والآثام وكالذب ، وعقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم ، وقتل النفس المؤمنة ظلما وعدوانا ، وإرقاق المسلم وبيعه إلى الكافرين في دار الكفر ! فأنى لنبيين يجيئهم الوحي من السماء أن يقترفوا هذه الفظائع من المنكرات ؟ ! لا جرم أن ذلك يدل أيما دليل على أن إخوة يوسف ما كانوا أنبياء . فالنبيون معصومون عن صدور مثل هذه القبائح والمنكرات قبل النبوة وبعدها{[2203]} .


[2200]:الدر المصون جـ 6 ص 439، 440.
[2201]:القاموس المحيط ص 403.
[2202]:روح المعاني جـ 12 ص 184.
[2203]:روح المعاني جـ 12 ص 183، 184 والبحر المحيط جـ 5 ص 281.