{ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } : لا يؤمنون بالحشر والنشر والرجوع إلى الله في القيامة من الدنيا . وكما كانوا لا يخافون العذابَ ، ولا ينتظرون الحَشْرَ كذلك كانوا لا يُؤْمِنون لقاءَ الله . فَمُنْكِرُ الرؤيةِ من أهل القِبْلَةِ - ممن يؤمِن بالقيامة والحشرِ - مُشَارِكٌ لهؤلاء في جُحْدِ ما وَرَدَ به الخبرُ والنقلُ ؛ لأن النَّقْلَ كما وَرَدَ بكوْنِ الحَشْرِ بكون الرؤية لأهل الإيمان .
فالذين لم يؤمنوا قالوه على جهة رؤية المقام لأنفسهم ، وأنه مُسَلَّمٌ لهم ما اقترحوه من نزول الملائكة عليهم ورؤية ربهم . وذلك وإن كان في القدرة جائزاً - إلا أنه لم يكن واجباً بعد إزاحة عُذْرِهم بظهور معجزات الرسول عليه السلام ، فلم يكن اقتراح ما قالواه جائزاً لهم .
{ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّا كبيرا ( 21 ) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ( 22 ) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا( 23 ) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا( 24 ) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا( 25 ) الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا( 26 ) ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا( 27 ) يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا( 28 ) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا( 29 ) }
لا يرجون : لا يخافون ، أو لا يتوقعون .
لقاءنا : الرجوع إلينا للحساب ، أو لقاء جزائنا .
لولا أنزل : هلا أنزل علينا الملائكة لكي يخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم .
أو نرى ربنا : أو هلا نرى ربنا جهرة ومعانية ، ليقول لنا إن محمدا رسول من عندي .
استكبروا في أنفسهم : أوقعوا الاستكبار في شأن أنفسهم ، بعدّها كبيرة الشأن .
العتوّ : تجاوز الحدّ في الظلم والعدوان .
عتوا كبيرا : وصلوا إلى الغاية القصوى منه ، حين كذبوا الرسول الذي جاء بالوحي ، ولم يكترثوا بالمعجزات التي أتاهم بها .
21- { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا . . }
قال الكفار الذين لا أمل لهم في البعث والجزاء والحساب ، لأنهم ينكرون البعث ولا يتوقعونه ، قالوا على سبيل التعنت والعناد : هلا أنزل علينا الملائكة ، لكي يخبرونا بصدق محمد ، أو هلا نرى ربنا فينبئنا بذلك .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى : أو { تأتي بالله والملائكة قبيلا } [ الإسراء : 92 ] } أي : ليشهدوا بصدقك .
{ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } .
لقد أضمروا في أنفسهم الكبر والغرور ، والبعد عن الحق ، والظلم والطغيان ، ووصلوا في عتوّهم إلى الغاية القصوى منه .
{ 21 - 23 } { وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا }
أي : قال المكذّبون للرسول المكذبون بوعد الله ووعيده الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد ولا رجاء لقاء الخالق :
{ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } أي : هلا نزلت الملائكة تشهد لك بالرسالة وتؤيّدك عليها أو تنزل رسلا مستقلين ، أو نرى ربنا فيكلمنا ويقول : هذا رسولي فاتبعوه ؟ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض بل بالتكبر والعلوّ والعتوّ .
{ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ } حيث اقترحوا هذا الاقتراح وتجرأوا هذه الجرأة ، فمن أنتم يا فقراء ويا مساكين حتى تطلبوا رؤية الله وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك ؟ وأي كبر أعظم من هذا ؟ .
{ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } أي : قسوا وصلبوا عن الحق قساوة عظيمة ، فقلوبهم أشد من الأحجار وأصلب من الحديد لا تلين للحق ، ولا تصغى للناصحين فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير ولا اتبعوا الحق حين جاءهم النذير ، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم وآيات الله البينات بالإعراض والتكذيب والمعارضة ، فأي عتوّ أكبر من هذا العتوّ ؟ " ولذلك بطلت أعمالهم واضمحلّت ، وخسروا أشد الخسران ، وحرموا غاية الحرمان .
قوله تعالى :{ وقال الذين لا يرجون لقاءنا } أي : لا يخافون البعث ، قال الفراء : الرجاء بمعنى الخوف ، لغة تهامة ، ومنه قوله تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقار }أي : لا تخافون لله عظمة . { لولا أنزل علينا الملائكة } فتخبرنا أن محمداً صادق ، { أو نرى ربنا } فيخبرنا بذلك . { لقد استكبروا } أي : تعظموا . { في أنفسهم } بهذه المقالة ، { وعتوا عتواً كبيراً } . قال مجاهد : ( عتواً ) طغوا في القول والعتو : أشد الكفر وأفحش الظلم ، وعتوهم : طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به .
ثم حكت السورة للمرة الرابعة تطاول المشركين وجهالاتهم ، وردت عليهم بما يخزيهم ، وبينت ما أعد لهم من عذاب فى يوم لا ينفعهم فيه الندم .
قال - تعالى - : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ . . . } .
قال الفخر الرازى : اعلم أن قوله - تعالى - : { وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا } هو الشبهة الرابعة لمنكرى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحاصلها : لماذا لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق فى دعواه ، أو نرى ربنا حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا . .
والرجاء : الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع . وفسره بعضهم بمجرد التوقع الذى يشمل ما يسر وما يسوء ، وفسره بعضهم هنا بأن المراد به : الخوف .
والمراد بلقائه - سبحانه - : الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء لأنهم ينكرون ذلك ، ولا يبالون به ، ولا يخافون أهواله . قالوا - على سبيل التعنت والعناد- :
هلا أنزل علينا الملائكة لكى يخبرونا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أو هلا نرى ربنا جهرة ومعاينة ليقول لنا إن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عندى !
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { . . أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً } أى : ليشهدوا بصدقك ، وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله : { لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } .
والعتو : تجاوز الحد فى الظلم والعدوان . يقال عتا فلان يعتو عتوا ، إذا تجاوز حده فى الطغيان .
أى : والله لقد أضمر هؤلاء الكافرون الاستكبار عن الحق فى أنفسهم المغرورة ، وتجاوزوا كل حد فى الطغيان تجاوزا كبيرا ، حيث طلبوا مطالب هى أبعد من أن ينالوها بعد الأرض عن السماء . وصدق الله إذ يقول : { . . . إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ . . } ووصف - سبحانه - عتوهم بالكبر للدلالة على إفراطهم فيه ، وأنهم قد وصلوا فى عتوهم إلى الغاية القصوى منه .