لمَّا كانوا مأخوذين عنهم تولَّى الحق - سبحانه - أَنْ قصَّ عنهم ، وفَرْقٌ بين من كان عن نفسه وأوصافه قاصاً ؛ لبقائه في شاهده وكونه غيرَ منتفٍ بجملته . . وبين من كان موصوفاً بواسطة غيره ؛ لفنائه عنه وامتحائه منه وقيام غيره عنه .
ويقال لا تُسَمعُ قصةُ الأحباب أعلى وأَجَلّ مما تُسْمعُ من الأحباب ، قال عزَّ من قائل : { نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ } ، وأنشدوا :
وحَدَّثْتَنِي يا سَعْدُ عنها فَزِدْتني *** حنيناً فَزِدْني من حديثكَ يا سعدُ
قوله : { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا بِرَبِّهِمْ } : يقال إنهم فتية لأنهم آمنوا- على الوهلة - بربِّهم ، آمنوا من غير مهلة ، لمَّا أتتهم دواعي الوصلة .
ويقال فتية لأنهم قاموا لله ، وما استقروا حتى وصلوا إلى الله .
قوله جلّ ذكره : { وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُُوبِهِمْ } .
لاَطفهم بإحضارهم ، ثم كاشفهم في أسرارهم ، بما زاد من أنوارهم ، فلقَّاهم أولاً التبيين ، ثم رقّاهم عن ذلك باليقين .
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بزيادة اليقين حتى متع نهار معارفهم ، واستضاءت شموسُ تقديرهم ، ولم يَبْقَ للتردد مجالٌ في خواطرهم ، و ( . . . ) في التجريد أسرارهم ، وتَمَّتْ سكينةُ قلوبهم .
ويقال : { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } : بأن أفنيناهم عن الأغيار ، وأغنيناهم عن التفكُّر بما أوليناهم من أنوار التبصُّر .
ويقال ربطنا على قلوبهم بما أسكَنَّا فيها من شواهِدِ الغيب ، فلم تسنح فيها هواجسُ التخمين ولا وساوس الشياطين .
قوله جلّ ذكره : { إِذْ قَامُوا فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ } .
قاموا لله بالله ، ومَنْ قام بالله فُقِدَ عمَّا سوى الله .
ويقال من قام لله لم يقعد حتى يصلَ إلى الله .
ويقال قعدت عنهم الشهوات فَصَحَّ قيامُهم بالله .
قوله جلّ ذكره : { لَن نَدْعُوا مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً } .
مَنْ أحال الشيءَ على الحوادث فقد أشرك بالله ، ومَنْ قال إِنَّ الحوادث من غير الله فقد اتخذ إلهاً مِنْ دون الله .
ربطنا : شددنا وقوّينا ، وربط الله على قلبه ، أي : قوّى عزيمته .
قاموا : وقفوا بين يدي ملكهم الجبار دقيانوس .
إلها : أي : معبودا آخر لا استقلالا ولا شريكا .
14- { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } .
أي : ألهمناهم قوة العزيمة وصدق الإيمان ، وثبات اليقين ، حين وقفوا أمام الملك الظالم ديقيانوس في ثبات وصدق ، ولم يستجيبوا لدعوته لهم إلى عبادة الأوثان ، بل أعلنوا إيمانهم بالله وحده لا شريك له ، وقالوا : { ربنا رب السماوات والأرض } هو وحده خالق السماوات والأرض والكون كله ؛ فينبغي أن نتوجه إليه وحده بالعبادة .
{ لن ندعو من دونه إلها } . أي : لن نعبد من دون رب السماوات والأرض إلها ، لا على طريق الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك ؛ إذ لا رب غيره ولا معبود سواه .
أي : إذا دعونا غير الله ، وعبدنا الأوثان أو الأصنام أو غيرهما ؛ لقد أبعدنا عن الحق ، وتجاوزنا الصواب .
إنهم أشاروا بالجملة الأولى وهي : { ربنا رب السماوات والأرض } إلى توحيد الربوبية .
وأشاروا بالجملة الثانية : { لن ندعو من دونه إلها إلى توحيد الألوهية . 1 ه .
فهم يعبدون الله وحده سبحانه رب السماوات والأرض ولا يعبدون مع الله آلهة أخرى من الأوثان .
وعبدة الأصنام كانوا يؤمنون بوجود الله ، وكانوا مع ذلك يعبدون آلهة أخرى يتقربون بعبادتنا إلى الله ، وهو انحراف في العقيدة .
وقد حكى القرآن عنهم قوله : { ولئن سألتم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله . . . ( لقمان : 25 ، الزمر : 38 ) .
وقوله سبحانه حكاية عنهم : { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى } . الزمر : 3 .
وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم للحج : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي صبرناهم وثبتناهم ، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة ، وهذا من لطفه تعالى بهم وبره ، أن وفقهم للإيمان والهدى ، والصبر والثبات ، والطمأنينة .
{ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : الذي خلقنا ورزقنا ، ودبرنا وربانا ، هو خالق السماوات والأرض ، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة ، لا تلك الأوثان والأصنام ، التي لا تخلق ولا ترزق ، ولا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ، ولهذا قالوا : { لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } أي : من سائر المخلوقات { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا } أي : إن دعونا معه آلهة ، بعد ما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة ، إلا له { شَطَطًا } أي : ميلا عظيما عن الحق ، وطريقا بعيدة عن الصواب ، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية ، والتزام ذلك ، وبيان أنه الحق وما سواه باطل ، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم ، وزيادة الهدى من الله لهم .
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) }
وقوَّينا قلوبهم بالإيمان ، وشددنا عزيمتهم به ، حين قاموا بين يدي الملك الكافر ، وهو يلومهم على تَرْكِ عبادة الأصنام فقالوا له : ربنا الذي نعبده هو رب السموات والأرض ، لن نعبد غيره من الآلهة ، لو قلنا غير هذا لكُنَّا قد قلنا قولا جائرًا بعيدًا عن الحق .
قوله : ( وربطنا على قلوبهم ) أي ثبتناهم وقويناهم بالصبر على مخالفة قومهم المشركين ومفارقة ما كانوا فيه من النعمة والسعة والعيش الرغيد فرارا بدينهم وخشية الفتنة .
قوله : ( إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) ذكر بعض المفسرين أن هؤلاء الفتية كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له دقيانوس وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه . فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم ، والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض . فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية . حتى اجتمعوا كلهم على قدر تحت ظل شجرة . وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان . وقد جاء في حديث البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : قال رسول الله ( ص ) : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " {[2777]} . ولما عرف بهم قومهم وشوا بأمرهم إلى الملك فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، وأمرهم باتباع دينه وتوعدهم على رفض ذلك بالقتل فقالوا له في عزم وثبات ما قاله الله : ( ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( شططا ) ، منصوب على أنه صفقة لمصدر محذوف ، وتقديره : قولا شططا . وقيل : منصوب بالفعل ( قلنا ) {[2778]} والشطط ، في اللغة ، مجاوزة القدر في كل شيء{[2779]} وهو الجور والظلم . والشطوط ، معناه البعد . واشتط ؛ أي أبعد . والمراد به هنا : الإفراط في الظلم والافتراء ، والإبعاد في الجور والكذب .