قوله جل ذكره : { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } .
خَتَم السورة بِذكْرها بعد ما ذكر امرأةُ فرعون ، وهما من جملة النساء ، ولمَّا كثُر في هذه السورة ذكْرُ النساء أراد الله سبحانه أَلاَّ يُخْلَى السورة من ذكرها تخصيصاً لقدْرِها .
الفرج : شق جيب الدرع ( القميص ) إذ الفرج لغة : كل فُرجة بين الشيئين ، ويراد بذلك عفتها .
كلمات ربها : شرائعه وكتبه التي أنزلها على رسله .
القانتين : الطائعين المخبتين إلى الله ، المتمثلين أوامره .
12- { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } .
ونموذج آخر للمثل الأعلى للمرأة المؤمنة ، و مريم ابنة عمران البتول الطاهرة المتعبدة الصالحة الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا . أي : حفظته من كل فاحشة ، كالحصن الذي يتحصن به الجنود فلا يصل إليهم الأعداء ، والمرأة المحصنة هي الفاضلة المستقيمة البعيدة عن الريبة ، فقد وصفها الله بالطهارة والاستقامة ، وبُعدها عن الفاحشة ، حيث أحصنت فرجها وحفظته عن الحرام .
وحينما ظهر لها جبريل في صورة بشر ، قالت : { إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ( 19 ) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . ( مريم : 18-22 ) } .
هذه المرأة رفعها إيمانها الكامل ، وطاعتها لربها ، وعفتها وإحصانها لفرجها ، وبُعدها عن الزنا والفاحشة ، فنفخ جبريل في جيب قميصها ، فوصلت النفخة إلى فرجها ، فحملت بعيسى عليه السلام ، كما هو مفصّل في سورة مريم وغيرها من السّور .
{ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } .
وآمنت بشرائع الله وكتبه وصحفه ، كصحف إدريس وصحف إبراهيم وموسى ، وصدقت ببشارة الله لها ، أنها ستحمل ولدا بدون أب ، ليكون آية بينة للبشرية كلها على قدرة الله الخارقة ، وأنه سبحانه هو المسبب للأسباب ، وأن أمره بين الكاف والنون .
قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . ( يس : 82 ) .
وقال تعالى : { إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 )
وثبت في الصحيحين ، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كَمُل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " . 10
اشتملت سورة التحريم على ثلاثة أمور :
1-أخبار نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وحلفه ألا يشرب العسل إرضاء لبعضهن ، أو حلفه ألا يقرب مارية القبطية ، وأمره حفصة أن تكتم الموضوع فأفشته ، وأعلمه الله بذلك ، ثم أدّب لقرآن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أدبا مناسبا .
2- ضرب الله مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط .
3- ضرب المثل للذين آمنوا بآسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران .
تم بحمد الله تعالى تفسير سورة ( التحريم ) ، وبه تمّ تفسير الجزء ( الثامن والعشرون ) ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وكان الفراغ منه عصر يوم السبت 16 من ذي القعدة 1421 ه ، 10/2/2001 م ، ونسأله تعالى المعونة والتوفيق والسداد ، إنه نعم المولى ونعم النصير .
1 تفسير الطبري 28/102 ، وقد ورد ذلك في سنن النسائي من حديث أنس .
2 المغافير : صمغ حلو الطعام كريه الرائحة .
رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4912 ) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها ، فواطيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليا فلتقل له : أكلت مغافير ، إني أجد منك ريح مغافير ، قال : " لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا " .
5 رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
6 في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب 28/156 .
رواه مسلم في الأيمان ( 1650/13 ) والترمذي في النذور والأيمان ( 1530 ) وقال : حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح ، والنسائي في الكبرى في الأيمان والكفارات ( 4722/2 ) كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأبو داود في الأيمان والنذور ( 3277 ) والنسائي في الكبرى في الأيمان والنذور ( 4724/4 ) كلاهما عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه .
رواه أبو داود في الصلاة ( 495 ) وأحمد في مسنده ( 6650 ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع " .
9 ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن :
رواه الترمذي في البر ( 1952 ) وأحمد في مسنده ( 16269 ) من حديث أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قال : " ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن " .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عامر بن أبي عامر الخزاز ، وهو عامر بن صالح بن رستم الخزاز ، وأيوب بن موسى هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص ، وهذا عندي حديث مرسل .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء ( 3411 ) ومسلم في فضائل الصحابة ( 2431 ) والترمذي في الأطعمة ( 1834 ) من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .
وقوله - سبحانه - : { وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ . . } معطوف على { امرأت فِرْعَوْنَ
أى : وضرب الله - تعالى - مثلا آخر للمؤمنين مريم ابنة عمران .
{ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } أى حفظته وصانته ، إذ الإحصان جعل الشىء حصينا ، بحيث لا يتوصل إليه ، وهو كناية عن عفتها وطهارتها وبعدها عن كل فاحشة .
وقوله { فَنَفَخْنَا فِيهِ } النافخ رسوله جبريل - عليه السلام - فالإسناد مجازى . وقيل الكلام على حذف مضاف ، أى : فنفخ رسولنا ، وضمير { فِيهِ } للفرج .
واشتهر أن جبريل - عليه السلام - نفخ فى جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج .
وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها ، وهو محتمل لأن الفرج معناه فى اللغة ، كل فرجة بين شيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ فى الثناء عليها ، لأنها إذا منعت جيب درعها ، فهى للنفس أمنع . . .
أى : فنفخ رسولنا جبريل فى فرجها أو فى جيب درعها ، روحا من أرواحنا هى روح عبدنا ونبينا عيسى - عليه السلام - .
وإضافة الروح إلى ذاته - تعالى - لأنه هو الخالق والموجد وللإشارة إلى أن تكوين المخلوق الحى فى رحمها ، كان على غير الأسباب المعتادة .
وقوله - تعالى - : { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القانتين } زيادة فى مدحها ، وفى الثناء عليها . . .
أى : وكان من صفات مريم ابنة عمران أنها آمنت إيمانا حقا { بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا } أى : بشرائعه التى شرعها لعباده ، وبما ألقاه إليها من إرشادات عن طريق وحيه .
و { وَكُتُبِهِ } أى : وصدقت بكتبه التى أنزلها على أنبيائه ، وقرأ الجمهور ( وكتابه ) بالإفراد ، على أن المراد به جنس الكتب ، أو الإنجيل الذى أنزله - سبحانه - على ابنها عيسى .
و { مِنَ } فى قوله - تعالى - { وَكَانَتْ مِنَ القانتين } للابتداء ، أى : وكانت من نسل الرجال القانتين ، الذين بذلوا أقصى جهدهم فى طاعة الله - تعالى - ، وفى إخلاص العبادة له .
ويصح أن تكون { مِنَ } للتبعيض . أى : وكانت من عداد المواظبين على الطاعة ، وجىء بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال ، الذين بلغوا الغاية فى المواظبة على طاعة الله - تعالى - .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل للكافرين ، ومثلين للمؤمنين .
وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره ، دون أن ينفعه ما بينه وبين المؤمنين من قرابة أو نسب . . . كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط . .
وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا يضره شيئا إذا فارقه فى كفره وعمله .
وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : ما ملخصه مثَّل الله - تعالى - حال الكفار ، فى أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين . دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما نافقتا وخانتا الرسولين . لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج شيئا . .
ومثل حال المؤمنين - فى أن وصلة الكافرين لا تضرهم . ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله - بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده . .
وبحال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها الله ما أعطاها من الكرامة . . . مع أن قومها كانوا كافرين .
وفى طى هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين فى أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده . .
وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا فى الإخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين . . .
وأسرار التنزيل ورموزه فى كل باب ، بالعة من اللطف والخفاء ، حدا يدق عن تفطن العالم ، ويزل عن تبصره . .