لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ} (17)

الحقُّ - سبحانه - لا يستتر عن رؤيته مُدْرَكٌ ، ولا تخفى عليه- من مخلوقاته - خافية . وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْقَ وبصائرهم ؛ فالعادةُ جاريةٌ بأنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحَجُبِ . وكذلك إذا حلَّتْ الغفلةُ القلوبَ استولى عليها الذهول ، وانسدَّت بصائرها ، وانتفت فهومها .

وفوقنا حُجُبٌ ظاهرة وباطنة ؛ ففي الظاهر السماواتُ حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية كالمُنْية والشهوة ، والإرادات الشاغلة ، والغفلات المتراكمة .

أمَّا المريدون فإذا أَظَلَّتْهُم سحائب الفَتْرَةِ ، وسَكَنَ هيجانُ إرادتِهم فذلك من الطرائق التي عليهم .

وأما الزاهدون فإذا تحرّكَ بهم عِرْقُ الرغبة انْفَلَّتْ قوة زهدهم ، وضَعُفَتْ دعائمُ صَبْرِهم ، فَيَتَرَخَّصُون بالجنوحِ إلى بعض التأويلاتِ ، فتعودُ رغباتهم قليلاً قليلاً ، وتَخْتَلُّ رتبةُ عزوفهم ، وتَنْهَدُّ دعائم زهدهم ، وبداية ذلك من الطرائق التي خَلَقَ فوقهم .

وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحات الحقائق ، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذاً ، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق .

وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ ، ولا تاركٍ للعِباد .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ} (17)

وبعد أن ساق - سبحانه - ما يدل على قدرته عن طريق خلق الإنسان فى تلك الأطوار المتعددة ، أتبع ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق تلك الكائنات المختلفة ، فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا . . . . } .

الطرائق : جمع طريقة ، والمراد بها السموات السبع . وسميت طرائق لأن كل سماء فوق الأخرى ، والعرب تسمى كل شىء فوق شىء طريقة بمعنى مطروقة .

وهو مأخوذ من قولهم : فلان طرق النعل ، إذا ركب بعضها فوق بعض .

فالآية الكريمة فى معنى قوله - تعالى - : { الذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً } وقيل : سميت طرائق ، لأنها طرق الملائكة فى النزول والعروج .

أى : ولقد خلقنا فوقكم - أيها الناس - سبع سموات بعضها فوق بعض { وَمَا كُنَّا } فى وقت من الأوقات { عَنِ الخلق غَافِلِينَ } بل نحن معهم بقدرتنا ورعايتنا وحفظنا ، ندبر لهم أمور معاشهم ، ونيسر لهم شئون حياتهم دون أن نغفل عن شىء - مهما صغر - من أحوالهم ، لأننا لا تأخذنا سنة ولا نوم ، ولا يعترينا ما يعترى البشر من سهو أو غفلة .