وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطىء عليهم . فالله سريع الحساب .
إن هذا التعليم الإلهي يحدد : لمن يكون الاتجاه . ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره ، وترك لله الخيرة ، ورضي بما يختاره له الله ، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة . ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب . والأول رابح حتى بالحساب الظاهر . وهو في ميزان الله أربح وأرجح . وقد تضمن دعاؤه خير الدارين في اعتدال ، وفي استقامة على التصور الهاديء المتزن الذي ينشئه الإسلام .
إن الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا . فهم خلقوا للخلافة في هذه الدنيا . ولكنه يريد منهم أن يتجهوا إلى الله في أمرها ؛ وألا يضيقوا من آفاقهم ، فيجعلوا من الدنيا سورا يحصرهم فيها . . إنه يريد أن يطلق( الإنسان ) من أسوار هذه الأرض الصغيرة ؛ فيعمل فيها وهو أكبر منها ؛ ويزاول الخلافة وهو متصل بالأفق الأعلى . . ومن ثم تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض ضئيلة هزيلة وحدها حين ينظر إليها الإنسان من قمة التصور الإسلامي . .
{ أولئك } إشارة إلى الفريق الثاني والجملة في مقابلة { وَمَا لَهُ في الآخرة مِنْ خلاق } [ البقرة : 00 2 ] والتعبير باسم الإشارة للدلالة على أن اتصافهم بما سبق علة للحكم المذكور ولذا ترك العطف ههنا لكونه كالنتيجة لما قبله ، قيل : وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى علو درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل ، وجوز أن تكون الإشارة إلى كلا الفريقين المتقدمين فالتنوين في قوله تعالى : { لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } على الأول : للتفخيم وعلى الثاني : للتنويع أي لكل منهم نصيب من جنس ما كسبوا ، أو من أجله ، أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه ، ومن إما للتبعيض أو للابتداء ، والمبدئية على تقدير الأجلية على وجه التعليل ، وفي الآية على الاحتمال الثالث وضع الظاهر موضع المضمر بغير لفظ السابق لأن المفهوم من { رَبَّنَا ءاتِنَا } [ البقرة : 1 20 ] الدعاء لا الكسب إلا أنه يسمى كسباً لأنه من الأعمال وقرئ ( مما اكتسبوا ) .
{ والله سَرِيعُ الحساب } . يحاسب العباد على كثرتهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا ، وروي بمقدار فواق ناقة ، وروي بمقدار لمحة البصر أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتساب الحسنات ، والجملة تذييل لقوله تعالى : { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } [ البقرة : 00 2 ] الخ والمحاسبة إما على حقيقتها كما هو قول أهل الحق من أن النصوص على ظاهرها ما لم يصرف عنها صارف ، أو مجاز عن خلق علم ضروري فيهم بأعمالهم وجزائها كماً وكيفاً ، ومجازاتهم عليها هذا .
( ومن باب الإشارة ) : { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } من حظوظ الآخرة والأنوار الباهرة واللذات الباقية والمراتب العالية { والله سريع الحساب } [ البقرة : 202 ] .
قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب } . حظ .
قوله تعالى : { مما كسبوا } . من الخير والدعاء بالثواب والجزاء .
قوله تعالى : { والله سريع الحساب } . يعني إذا حاسب عبده فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا إلى روية ولا فكر . قال الحسن : أسرع من لمح البصر وقيل : معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هوآت لا محالة فهو قريب ، قال الله تعالى : ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.