وبعد أن تستريح القلوب ، وتستقر الضمائر على حقيقة السنن الجارية في الكون ، وعلى حقيقة قدر الله في الأمور ، وعلى حقيقة حكمة الله من وراء التقدير والتدبير . . ثم على حقيقة الأجل المكتوب ، والموت المقدور ، الذي لا يؤجله قعود ، ولا يقدمه خروج ، ولا يمنعه حرص ولا حذر ولا تدبير . .
بعد ذلك يمضي السياق في بيان حقيقة أخرى . . حقيقة ضخمة في ذاتها وضخمة في آثارها . . حقيقة أن الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء . أحياء عند ربهم يرزقون ؛ لم ينقطعوا عن حياة الجماعة المسلمة من بعدهم ولا عن أحداثها ، فهم متأثرون بها ، مؤثرون فيها ، والتأثير والتأثر أهم خصائص الحياة .
ويربط بين حياة الشهداء في معركة أحد وبين الأحداث التي تلت استشهادهم برباط محكم ، ثم ينتقل إلى تصوير موقف العصبة المؤمنة ، التي استجابت لله والرسول بعد كل ما أصابها من القرح ، وخرجت تتعقب قريشا بعد ذهابها خوفا من كرة قريش على المدينة ، ولم تبال تخويف الناس بجموع قريش ، متوكلة على الله وحده ، محققة بهذا الموقف معنى الإيمان وحقيقته :
( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . يستبشرون بنعمة من الله وفضل ، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين . الذين استجابوا لله والرسول ، من بعد ما أصابهم القرح ، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم . الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيمانا ، وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ، واتبعوا رضوان الله ، والله ذو فضل عظيم . . إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) . .
لقد شاء الله بعد أن جلا في قلوب المؤمنين حقيقة القدر والأجل ، وتحدى ما يبثه المنافقون من شكوك وبلبلة وحسرات بقولهم عن القتلى : ( لو أطاعونا ما قتلوا ) فقال يتحداهم : قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين . .
شاء الله بعد أن أراح القلوب المؤمنة على صدر هذه الحقيقة الثابتة . . أن يزيد هذه القلوب طمأنينة وراحة . فكشف لها عن مصير الشهداء : الذين قتلوا في سبيل الله - وليس هنالك شهداء إلا الذين يقتلون في سبيل الله خالصة قلوبهم لهذا المعنى ، مجردة من كل ملابسة أخرى - فإذا هؤلاء الشهداء أحياء ، لهم كل خصائص الأحياء . فهم " يرزقون " عند ربهم . وهم فرحون بما آتاهم الله من فضله . وهم يستبشرون بمصائر من وراءهم من المؤمنين . وهم يحفلون الأحداث التي تمر بمن خلفهم من إخوانهم . . فهذه خصائص الأحياء : من متاع واستبشار واهتمام وتأثر وتأثير . فما الحسرة على فراقهم ؟ وهم أحياء موصولون بالأحياء وبالأحداث ، فوق ما نالهم من فضل الله ، وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة ؟ وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه ؟ والتي يقيمونها بين عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة ؟ ولا فواصل ولا حواجز بالقياس إلى المؤمنين ، الذين يتعاملون هنا وهناك مع الله . . ؟
إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور . إنها تعدل - بل تنشىء إنشاء - تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها ، وهي موصولة لا تنقطع ؛ فليس الموت خاتمة المطاف ؛ بل ليس حاجزا بين ما قبله وما بعده على الإطلاق !
إنها نظرة جديدة لهذا الأمر ، ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين ، واستقبالهم للحياة والموت ، وتصورهم لما هنا وما هناك .
( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) . .
والآية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل الله ، وفارقوا هذه الحياة ، وبعدوا عن أعين الناس . . أموات . . ونص كذلك في إثبات أنهم " أحياء " . . " عند ربهم " . ثم يلي هذا النهي وهذا الإثبات ، وصف ما لهم من خصائص الحياة . فهم " يرزقون " . .
ومع أننا نحن - في هذه الفانية - لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء ، إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح . . إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة ، وما بينهما من انفصال والتئام . وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها ؛ وإننا حين ننشىء مفاهيمنا للحقائق المطلقة بالاستناد إلى الظواهر التي ندركها . لا ننتهي إلى إدراك حقيقي لها ؛ وأنه أولى لنا أن ننتظر البيان في شأنها ممن يملك البيان سبحانه وتعالى .
فهؤلاء ناس منا ، يقتلون ، وتفارقهم الحياة التي نعرف ظواهرها ، ويفارقون الحياة كما تبدو لنا من ظاهرها . ولكن لأنهم : قتلوا في سبيل الله ؛ وتجردوا له من كل الاعراض والأغراض الجزئية الصغيرة ؛ واتصلت أرواحهم بالله ، فجادوا بأرواحهم في سبيله . . لأنهم قتلوا كذلك ، فإن الله - سبحانه - يخبرنا في الخبر الصادق ، أنهم ليسوا أمواتا . وينهانا أن نحسبهم كذلك ، ويؤكد لنا أنهم أحياء عنده ، وأنهم يرزقون . فيتلقون رزقه لهم استقبال الأحياء . .
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ في سَبِيلِ الله أمواتا } أخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى لنا " وفي لفظ «قالوا من يبلغ إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل هؤلاء الآيات2 .
وأخرج الترمذي وحسنه . والحاكم وصححه ، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا جابر مالي أراك منكسراً فقلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً فقال : ألا أبشرك بما لقي الله تعالى به أباك ؟ قلت : بلى قال : ما كلم الله تعالى أحداً قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال : يا عبدي تمن عليَّ أعطك قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى : قد سبق مني أنهم لا يرجعون قال : أي ربي فأبلغ من ورائي فأنزل الله تعالى هذه الآية " ولا تنافي بين الروايتين لجواز أن يكون كلا الأمرين قد وقع ، وأنزل الله تعالى الآية لهما والأخبار متضافرة على نزولها في شهداء أحد ، وفي رواية ابن المنذر عن إسحق ابن أبي طلحة قال : حدثني أنس في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بئر معونة وساق الحديث بطوله إلى أن قال وحدثني أن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زماناً ، فأنزل الله تعالى : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } الخ . ومن هنا قيل : إن الآية نزلت فيهم ، وأنت تعلم أن الخبر ليس نصاً في ذلك ، وزعم بعضهم أنها نزلت في شهداء بدر ، وادعى العلامة السيوطي أن ذلك غلط ، وأن آية البقرة هي النازلة فيهم ، وهي كلام مستأنف مسوق إثر بيان أن الحذر لا يسمن ولا يغني لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يقف على الخطاب مطلقاً . وقيل : من المنافقين الذين قالوا : { لإخوانهم وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا } [ آل عمران : 168 ] وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتداد به ، وقرىء يحسبن بالياء التحتانية على الإسناد إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ضمير من يحسب على طرز ما ذكر في الخطاب ، وقيل : إلى الذين قتلوا والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة أي ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً .
واعترضه أبو حيان «بأنه إنما يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزون هذا الحذف لكنه عندهم عزيز جداً ، ومنعه إبراهيم بن ملكون الأشبيلي البتة ، وما كان ( بهذه المثابة ) ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً ( حذفه ) ( 4 ) عند الجمهور ينبغي أن لا يحمل عليه كلام الله تعالى » ، وفيه أن هذا من باب التعصب لأن حذف أحد المفعولين في باب الحسبان لا يمنع اختصاراً على الصحيح بل اقتصاراً ، و { مَا } هنا من الأول فيجوز مع أنه جوز الاقتصار بعضهم ويكفي للتخريج مثله .
وذكر العلامة الطيبي أن حذف أحد المفعولين في هذا الباب مذهب الأخفش ، وظاهر صنيع البعض يفهم منه تقديره مضمراً أي ولا يحسبنهم الذين قتلوا ، والمراد لا يحسبن أنفسهم ، واعترضه أبو حيان بشيء آخر أيضاً ، وهو «أن فيه تقديم المضمر على مفسره وهو محصور في أماكن ( لا تتعدى ) ليس هذا منها » ، ورده السفاقسي بأنه وإن لم يكن هذا منها لكن عود الضمير على الفاعل لفظاً جائز لأنه مقدم معنى وتعدي أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز ، وقد ظن السيرافي( {[205]} ) وغيره على جواز ظنه زيد منطلقاً وظنهما الزيدان منطلقين ، وهذا نظيره ما ذكره هذا البعض ، فالاعتراض عليه في غاية الغرابة ، ثم المراد من توجيه النهي إلى المقتولين تنبيه السامعين على أنهم أحقاء بأن يتسلوا بذلك ، ويبشروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم لكن لا في جميع أوقاتهم بل عند ابتداء القتل إذ بعد تبين حالهم لهم لا تبقى لاعتبار تسليتهم وتبشيرهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه ، قاله شيخ الإسلام . وقيل : هو نهي في معنى النفي وقد ورد ذلك وإن قل ، أو هو نهي عن حسبانهم أنفسهم أمواتاً في وقت مّا وإن كانوا وقت الخطاب عالمين بحياتهم ، وقرىء { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بكسر السين ، وقرأ ابن عامر { قتلوا } بالتشديد لكثرة المقتولين .
{ بَلْ أَحْيَاء } أي بل هم أحياء مستمرون على ذلك ، وقرىء بالنصب ، وخرجه الزجاج على أنه مفعول لمحذوف أي بل أحسبهم أحياء ، ورده الفارسي بأن الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان وإضمار غير فعل الحسبان كاعتقدهم أو اجعلهم ضعيف ؛ إذ لا دلالة عليه على أن تقدير اجعلهم قال فيه أبو حيان : إنه لا يصح البتة سواء جعلته بمعنى أخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألفهم ، نعم قال السفاقسي : يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم لكن يبقى حديث عدم الدلالة على حاله ، وأجاب الجلبي بأن عدم الدلالة اللفظية مسلم لكن إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف وإن كانت دلالة اللفظ أحسن ، وقال العلامة الثاني : لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى :
{ فاعتبروا ياأولي الأبصار } [ الحشر : 2 ] أمراً بالقياس وتحصيل الظن ، وقال بعضهم : المراد اليقين ويقدر أحسبهم للمشاكلة ولا يخفى أنه تعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد .
{ عِندَ رَبّهِمْ } في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدر ، أو صفة لأحياء ، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في أحياء وجوز أبو البقاء كونه ظرفاً له أو للفعل الذي بعده ، وعند هنا ليست للقرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه كما تقول : هذا عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه كذا لعدم مناسبته للمقام بل بمعنى القرب والشرف أي ذوو زلفى ورتبة سامية ، وزعم بعضهم أن معنى في علم الله تعالى مناسب للمقام لدلالته على التحقق أي إن حياتهم متحققة لا شبهة فيها ولا يخفى أن المقام مقام مدح فتفسير العندية بالقرب أنسب به . وفي الكلام دلالة على التحقق من وجوه أخر وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة لهم .
{ يُرْزَقُونَ } صفة لأحياء ، أو حال من الضمير فيه أو في الظرف وفيه تأكيد لكونهم أحياء وقد تقدم الكلام في حياتهم على أتم وجه ، والقول بأن أرواحهم تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال ، قول هابط إلى الثرى ، ولا أظن القائل به قرع سمعه الروايات الصحيحة والأخبار الصريحة بل لم يذق طعم الشريعة الغراء ولا تراءى له منهج المحجة البيضاء وخبر القناديل لا ينور كلامه ولا يزيل ظلامه فلعمري إن حال الشهداء وحياتهم وراء ذلك .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ في سَبِيلِ الله } سواء قتلوا بالجهاد الأصغر وبذل الأنفس طلباً لرضا الله تعالى أو بالجهاد الأكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة { أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } بالحياة الحقيقية مقربين في حضرة القدس { يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] من الأرزاق المعنوية وهي المعارف والحقائق ، وقد ورد في بعض الأخبار أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، ونقل ذلك بهذا اللفظ بعض الصوفية ، وجعل الطير الخضر إشارة إلى الأجرام السماوية ، والقناديل من ذهب إشارة إلى الكواكب ، وأنهار الجنة منابع العلوم ومشارعها ، وثمارها الأحوال والمعارف . والمعنى أن أرواح الشهداء تتعلق بالنيرات من الأجرام السماوية بنزاهتها وترد مشارع العلوم وتكتسب هناك المعارف والأحوال ، ولا يخفى أن هذا مما لا ينبغي اعتقاده كما أشرنا إليه فيما سبق فإن كان ولا بدّ من التأويل فليجعل الطير إشارة إلى الصور التي تظهر بها الأرواح بناءاً على أنها جواهر مجردة ، وأطلق اسم الطير عليها إشارة إلى خفتها ووصولها بسرعة حيث أذن لها .
ونظير ذلك في الجملة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث : " الأطفال هم دعاميص الجنة " والدعاميص جمع دعموص وهي دويبة تكون في مستنقع الماء كثيرة الحركة لا تكاد تستقر ، ومن المعلوم أن الأطفال ليسوا تلك الدويبة في الجنة لكنه أراد صلى الله عليه وسلم الإخبار بأنهم سياحون في الجنة فعبر بذلك على سبيل التشبيه البليغ ، ووصف الطير بالخضرة إشارة إلى حسنها وطراوتها ، ومنه خبر «إن الدنيا حلوة خضرة وقول عمر رضي الله تعالى عنه : إن الغزو حلو خضر ، ومن أمثالهم النفْس خضراء ، وقد يريدون بذلك أنها تميل لكل شيء وتشتهيه ، وأمر الظرفية في الخبر سهل ، وباقي ما فيه إما على ظاهره ، وأما مؤول ، وعلى الثاني : يراد من الجنة الجنة المنوية وهي جنة الذات والصفات ، ومن أنهارها ما يحصل من التجليات ، ومن ثمارها ما يعقب تلك التجليات من الآثار ، ومن القناديل المعلقة في ظل العرش مقامات لا تكتنه معلقة في ظل عرش الوجود المطلق المحيط ، وكونها من ذهب إشارة إلى عظمتها وأنها لا تنال إلا بشق الأنفس . وحاصل المعنى على هذا أن أرواح الشهداء الذين جادوا بأنفسهم في مرضاة الله تعالى ، أو قتلهم الشوق إليه عز شأنه تتمثل صوراً حسنة ناعمة طرية يستحسنها من رآها تطير بجناحي القبول والرضا في أنواع التجليات الإلهية وتكتسب بذلك أنواعاً من اللذائذ المعنوية التي لا يقدر قدرها ويتجدد لها في مقدار كل ليلة مقام جليل لا ينال إلا بمثل أعمالهم ، وذلك هو النعيم المقيم والفوز العظيم ، وكأن من أول هذا الخبر وأمثاله قصد سدّ باب التناسخ ولعله بالمعنى الذي يقول به أهل الضلال غير لازم كما أشرنا إليه في آية البقرة .
قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } . الآية ، قيل : نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين . وقال الآخرون : نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلاً أربعة من المهاجرين ، حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش ، وسائرهم من الأنصار .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، أنا أبو معاوية عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال : سألنا عبد الله ابن مسعود رضي الله عنهما عن هذه الآية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) . الآية قال : إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :أرواحهم كطير خضر . ويروى في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا شيئاً قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان ، أنا جسعويه ، أنا صالح بن محمد ، أنا سليمان بن عمرو عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : إنه لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة ، قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم ، وما يصنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد ، ولا ينكلوا عنه ، فقال الله عز وجل : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ) . إلى قوله ( لا يضيع أجر المؤمنين ) .
وسمعت عبد الواحد بن أحمد المليحي قال : سمعت الحسن بن أحمد القتيبي قال : سمعت محمد بن عبد الله بن يوسف قال : سمعت محمد بن إسماعيل البكري قال : سمعت يحيى بن حبيب بن عربي قال : سمعت موسى ابن إبراهيم قال : سمعت طلحة بن خراش قال : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا جابر ما لي أراك منكسراً ؟ قلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً ، قال : أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : ما كلم الله تعالى أحداً إلى من وراء حجاب ، وأنه أحيا أباك فكلمه كفاحاً ، قال : يا عبدي تمن علي أعطك ! قال : يا رب أحيني فأقتل فيك الثانية ، قال الرب تبارك وتعالى إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون . فأنزلت فيهم ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ،
أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا حميد عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يموت ، له عند الله خير ، يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة ، فإنه يحب أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرةً أخرى " . وقال قوم نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة ، وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قال : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة -وكان سيد بني عامر بن صعصعة - على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى إليه هدية ، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها ، وقال : لا أقبل هدية مشرك ، فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك ، ثم عرض عليه الإسلام ، وأخبره بما له فيه وما أعد الله للمؤمنين ، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ، ولم يبعد وقال : يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد . فقال أبو براء : أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلاً من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء ابن الصلت السلمي ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ، فساروا حتى نزلوا بئر معونة ، وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم ، فلما نزلوها قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء ؟ فقال حرام بن ملحان أنا . فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال حرام بن ملحان : يا أهل بئر معونة إني رسول الله إليكم ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فآمنوا بالله ورسوله ، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جبنه حتى خرج من الشق الآخر ، فقال : الله أكبر فزت ورب الكعبة ، ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا : لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقداً وجواراً ، ثم استصرخ عليهم قبائل من بني سليمة عصية ورعلاً وذكوان فأجابوا فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث بين القتلى ، فضلوه فيهم فعاش حتى قتل يوم الخندق ، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على المعسكر فقالا : والله إن لهذا الطير لشأناً ، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة ، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية : ماذا ترى ؟ قال : أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره ، فقال الأنصاري : الله أكبر ! لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، ثم قاتل القوم حتى قتل ، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل ، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه ، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عمل أبي براء ، قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً . فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره . وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة ، فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول : من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه ؟ قالوا : هو عامر بن فهيرة ، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الأعلى بن حماد ، أنا يزيد بن زريع ، أنا سعيد عن قتادة ، عن أنس بن مالك أن رعلاً وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدوهم فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل ، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهراً يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب ، على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان . قال أنس رضي الله عنه فقرأنا فيهم قرآناً ، ثم إن ذلك رفع ( بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ) ثم نسخت فرفع بعدما قرأناه زماناً وأنزل الله تعالى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ) الآية . وقيل : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء ، وقالوا نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور ؟ فأنزل الله تعالى تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم ( ولاتحسبن ) ولا تظنن . ( لذين قتلوا في سبيل الله ) . قرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد والآخرون بالتخفيف أمواتا كأموات من لم يقتل في سبيل الله .
قوله تعالى : { بل أحياء عند ربهم } . قيل أحياء في الدين ، وقيل في الذكر ، وقيل لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء ، وقيل لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة ، وقيل لأن الشهيد لا يبلى في القبر ، ولا تأكله الأرض . وقال عبيد بن عمير : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من احد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، ألا فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم ، فو الذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه . قوله تعالى : { يرزقون } . من ثمار الجنة وتحفها .