البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ} (169)

{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } قيل : هم قتلى أحد ، وقيل : شهداء بئر معونة .

وقيل : شهداء بدر .

وهل سبب ذلك قول من استشهد وقد دخل الجنة فأكل كل من ثمارها : من يبلغ عنا إخواننا أنا في الجنة نرزق ، لا تزهدوا في الجهاد .

فقال الله : أنا أبلغ عنكم ، فنزلت .

أو قول من لم يستشهد من أولياء الشهداء : إذا أصابتهم نعمة نحن في النعمة والسرور ، وآباؤنا وأبناؤنا واخواننا في القبور ، فنزلت .

وقرأ الجمهور : ولا تحسبن بالتاء ، أي ولا تحسبن أيها السامع .

وقال الزمخشري : الخطاب لرسول صلى الله عليه وسلم ، أو لكل أحد .

وقرأ حميد بن قيس وهشام بخلاف عنه بالياء ، أي : ولا يحسبن هو ، أي : حاسب واحد .

قال ابن عطية : وأرى هذه القراءة بضم الياء ، فالمعنى : ولا يحسبن الناس انتهى .

قال الزمخشري : ويجوز أن يكون الذين قتلوا فاعلاً ، ويكون التقدير : ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً ، أي : لا تحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً .

( فإن قلت ) : كيف جاز حذف المفعول الأوّل ؟ ( قلت ) : هو في الأصل مبتدأ فحذف كما حذف المبتدأ في قوله : أحياء .

والمعنى : هم أحياء لدلالة الكلام عليها انتهى كلامه .

وما ذهب إليه من أن التقدير : ولا تحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً لا يجوز ، لأنَّ فيه تقديم المضمر على مفسره ، وهو محصور في أماكن لا تتعدى وهي باب : رب بلا خلاف ، نحو : ربه رجلاً أكرمته ، وباب نعم وبئس في نحو : نعم رجلاً زيد على مذهب البصريين ، وباب التنازع على مذهب سيبويه في نحو : ضرباني وضربت الزيدين ، وضمير الأمر والشأن وهو المسمى بالمجهول عند الكوفيين نحو : هو زيد منطلق ، وباب البدل على خلاف فيه بين البصريين في نحو : مررت به زيد ، وزاد بعض أصحابنا أن يكون الظاهر المفسر خبراً للضمير ، وجعل منه قوله تعالى :

{ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدّنيا } التقدير عنده : ما الحياة إلا حياتنا الدّنيا .

وهذا الذي قدره الزمخشري ليس واحداً من هذه الأماكن المذكورة .

وأما سؤاله وجوابه فإنه قد يتمشى على رأي الجمهور في أنه : يجوز حذف أحد مفعولي ظن وأخواتها اختصاراً ، وحذف الاختصار هو لفهم المعنى ، لكنه عندهم قليل جداً .

قال أبو عليّ الفارسي : حذفه عزيز جداً ، كما أن حذف خبر كان كذلك ، وإن اختلفت جهتا القبح انتهى .

قول أبي علي .

وقد ذهب الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن ملكون الحضرمي الإشبيلي إلى منع ذلك اقتصاراً ، والحجة له وعليه مذكورة في علم النحو .

وما كان بهذه المثابة ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً حذفه عند الجمهور ، ينبغي أن لا يحمل عليه كلام الله تعالى .

فتأويل مَن تأوّل الفاعل مضمراً يفسره المعنى ، أي : لا يحسبن هو أي أحد ، أو حاسب أولى .

وتنفق القراءتان في كون الفاعل ضميراً وإن اختلفت بالخطاب والغيبة .

وتقدم الكلام على معنى موت الشهداء وحياتهم في قوله : { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء } فأغنى ذلك عن إعادته هنا .

وقرأ الحسن وابن عامر قتلوا بالتشديد .

وروي عن عاصم : قاتلوا .

وقرأ الجمهور : قتلوا مخففاً .

وقرأ الجمهور : بل أحياء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : بل هم أحياء .

وقرأ ابن أبي عبلة : أحياء بالنصب .

قال الزمخشري : على معنى بل أحسبهم أحياء انتهى .

وتبع في إضمار هذا الفعل الزجاج قال الزجاج : ويجوز النصب على معنى : بل أحسبهم أحياءً .

ورده عليه أبو علي الفارسي في الإغفال وقال : لا يجوز ذلك ، لأن الأمر يقين ، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة ، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة .

فوجهُ قراءة ابن أبي عبلة أن يُضمر فعلاً غير المحسبة اعتقدهم أو اجعلهم ، وذلك ضعيف ، إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر انتهى كلام أبي علي .

وقوله : لا يجوز ذلك لأن الأمر يقين ، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة معناه : أنَّ المتيقن لا يعبر عنه بالمحسبة ، لأنها لا تكون لليقين .

وهذا الذي ذكره هو الأكثر ، وقد يقع حسب لليقين كما تقع ظن ، لكنه في ظن كثير ، وفي حسب قليل .

ومن ذلك في حسب قول الشاعر :

حسبت التقى والحمد خير تجارة *** رباحاً إذا ما المرء أصبح ثاقلا

وقول الآخر :

شهدت وفاتوني وكنت حسبتني *** فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي

فلو قدر بعد : بل أحسبهم بمعنى أعلمهم ، لصحَّ لدلالة المعنى عليه ، لا لدلالة لفظ ولا تحسبن ، لاختلاف مدلوليهما .

وإذا اختلف المدلول فلا يدل أحدهما على الآخر .

وقوله : ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة غير مسلم ، لأنه إذا امتنع من حيث المعنى إضماره أضمر غيره لدلالة المعنى عليه لا اللفظ .

وقوله : أو اجعلهم ، هذا لا يصح ألبتة ، سواء كانت اجعلهم بمعنى اخلقهم ، أو صيرهم ، أو سمهم ، أو القهم .

وقوله : وذلك ضعيف أي النصب ، وقوله : إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر إن عنى من حيث اللفظ فصحيح ، وإن عنى من حيثُ المعنى فغير مسلم له ، بل المعنى يسوغ النصب على معنى اعتقدهم ، وهذا على تسليم إن حسب لا يذهب بها مذهب العلم .

ومعنى عند ربهم : بالمكانة والزلفى ، لا بالمكان .

قال ابن عطية : فيه حذف مضاف تقديره : عند كرامة ربهم ، لأن عند تقتضي غاية القرب ، ولذلك يصغر قاله سيبويه انتهى .

ويحتمل عند ربهم أن يكون خبراً ثانياً ، وصفة ، وحالاً .

وكذلك يرزقون : يجوز أن يكون خبراً ثالثاً ، وأن يكون صفة ثانية .

وقدَّم صفة الظرف على صفة الجملة ، لأن الأفصح هذا وهو : أن يقدم الظرف أو المجرور على الجملة إذا كانا وصفين ، ولأن المعنى في الوصف بالزلفى عند الله والقرب منه أشرف من الوصف بالرزق .

وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف ، ويكون العامل فيه في الحقيقة هو العامل في الظرف .

قال ابن عطية : أخبر تعالى عن الشهداء أنهم في الجنة يرزقون ، هذا موضع الفائدة .

ولا محالة أنهم ماتوا ، وإنَّ أجسادهم في التراب ، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين .

وفضّلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل ، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم .

فقوله : بل أحياء مقدمة لقوله : يرزقون ، إذ لا يرزق إلا حي .

وهذا كما يقول لمن ذم رجلاً .

بل هو رجل فاضل ، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل انتهى ما قاله ابن عطية .

ولا يلزم ما ذكره من أن لفظة أحياء جيء بها مجتلبة لذكر الرزق ، لكون الحياة مشتركاً فيها الشهيد والمؤمنون ، لأنه يجوز أن يكون هذا الإخبار بحياة الشهداء متقدماً على الإخبار بأن أرواح المؤمنين على العموم حية فاستفيد ، أو لا حياة أرواح الشهداء ، ثم جاء بعد الإخبار بحياة أرواح المؤمنين .

وأيضاً ففي ذكره النص على نقيض ما حسبوه وهو : كون الشهداء أمواتاً .

والبعد عن أن يراد بقوله : يرزقون ، ما يحتمله المضارع من الاستقبال .

فإذا سبقه ما يدل على الالتباس بالوصف حالة الإخبار كان حكم ما بعده حكمه ، إذ الأصل في الإخبار أن يكونَ من أسندت إليه متصفاً بذلك في الحال ، إلا إن دلت قرينة على مضي أو استقبال من لفظ أو معنى ، فيصار إليه .

/خ170