في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ} (78)

71

وهنا يكشف الملأ عن حقيقة الدوافع التي تصدهم عن التسليم بآيات اللّه :

( قالوا : أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا ، وتكون لكما الكبرياء في الأرض ? وما نحن لكما بمؤمنين ) . .

وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي . وهو الخوف على السلطان في الأرض ، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة .

إنها العلة القديمة الجديدة ، التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات ، وانتحال شتى المعاذير ، ورمي الدعاة بأشنع التهم ، والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة . . إنها هي " الكبرياء في الأرض " وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف ، وبكل ما فيها من فساد ، وبكل ما فيها من أوهام وخرافات . لأن تفتح القلوب للعقيدة الصحيحة ، واستنارة العقول بالنور الجديد ، خطر على القيم الموروثة ، وخطر على مكانة الطغاة ورهبتهم في قلوب الجماهير ، وخطر على القواعد التي تقوم عليها هذه الرهبة وتستند . إنها الخوف على السلطان القائم على الأوهام والأصنام ! وعلى تعبيد الناس لأرباب من دون اللّه . . ودعوة الإسلام - على أيدي الرسل جميعاً - إنما تستهدف تقرير ربوبية اللّه وحده للعالمين ؛ وتنحية الأرباب الزائفة التي تغتصب حقوق الألوهية وخصائصها ، وتزاولها في حياة الناس . وما كانت هذه الأرباب المستخفة للجماهير لتدع كلمة الحق والهدى تصل إلى هذه الجماهير . ما كانت لتدع الإعلان العام الذي يحمله الإسلام بربوبية اللّه وحده للعالمين وتحرير رقاب البشر من العبودية للعباد . .

ما كانت لتدع هذا الإعلان العام يصل إلى الجماهير ؛ وهي تعلم أنه إعلان بالثورة على ربوبيتهم ، والانقلاب على سلطانهم ، والانقضاض على ملكهم ، والانطلاق إلى فضاء الحرية الكريمة اللائقة بالإنسان !

إنها هي هي العلة القديمة الجديدة كلما قام من يدعو إلى اللّه رب العالمين !

وما كان رجال من أذكياء قريش مثلاً ليخطئوا إدراك ما في رسالة محمد - [ ص ] - من صدق وسمو ، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد . ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة ، القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد . كما خشي الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض ، فقالوا متبجحين :

وما نحن لك بمؤمنين !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ} (78)

{ قَالُواْ أَجِئْتَنَا } الخ مسوق لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجر فانقطعوا عن الاتيان بكلام له تعلق بكلامه عليه السلام فضلاً عن الجواب الصحيح واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الدي هو دأب كل عاجز محجوج وديدن كل معالج لجوج على أنه استئناف وقع جواباً عما قبله من كلامه صلى الله عليه وسلم على طريقة { قَالَ موسى } [ يونس : 77 ] كما أشير إليه كأنه قيل : فماذا قالوا لموسى عليه السلام حين قال لهم ما قال ؟ فقيل : قالوا عاجزين عن المحاجة : أجئتنا { لِتَلْفِتَنَا } أي لتصرفنا ، وبين اللفت والفتل مناسبة معنوية واشتقاقية وقد نص غير واحد على أنهما أخوان وليس أحدهما مقلوباً من الآخر كما قال الأزهري { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } أي من عبادة غير الله تعالى ، ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ذكر من تتمة كلامه عليه السلام على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونه محكياً من قبلهم يكون جوابه عليه السلام خالياً عن التبكيت الملجىء لهم إلى العدول عن سنن المحاجة ، ولا ريب في أنه لا علاقة بين قولهم : { أَجِئْتَنَا } الخ وبين إنكاره عليه السلام لما حكي عنهم مصححة لكونه جواباً عنه ، وهذا ظاهر إلا على من حجب عن إدراك البديهيات ، وبالجملة الحق أن لا وجه لذلك التجويز بوجه والانتصار له من الفضول كما لا يخفى { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء } أي الملك كما ريو عن مجاهد فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم ، وعن الزجاج أنه إنما سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ، وقيل : أي العظمة والتكبر على الناس باستتباعهم . وقرأ حماد بن يحيى عن أبي بكر . وزيد عن يعقوب { يَكُونَ } بالياء التحتانية لأن التأنيث غير حقيقي مع وجود الفاصل .

{ فِى الارض } أي أرض مصر ، وقيل : أريد الجنس ، والجار متعلق بتكون أو بالكبرياء أو بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً أو بمحذوف وقع حالاً من { الكبرياء } أو من الضمير في { لَّكُمَا } لتحمله إياه { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدقين فيما جئتما به أصلاً ، وفيه تأكيد لما يفهم من الإنكار السابق ، والمراد بضمير المخاطبين موسى وهارون عليهما السلام ، وإنما لم يفردوا موسى عليه السلام بالخطاب هنا كما أفردوه به فيما تقدم لأنه المشافه لهم بالتوبيخ والإنكار تعظيماً لأمر ما هو أحد سبى الأعراض معنى ومبالغة في إغاظة موسى عليه السلام وإقناطه عن الإيمان بما جاء به ، وفي إرشاد العقل السليم أن تثنية الضمير في هذين الموضعين بعد أفراده فيما تقدم من المقامين باعتبار شمول الكبرياء عليهما السلام واستلزام التصديق لأحدهما التصديق للآخر ، وأما اللفت والمجيء له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعة أسند إلى موسى عليه السلام خاصة انتهى فتدبر

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ} (78)

{ 78 ْ } { قَالُوا ْ } لموسى رادين لقوله بما لا يرده : { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ْ } أي : أجئتنا لتصدنا عما وجدنا عليه آباءنا ، من الشرك وعبادة غير الله ، وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له ؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجة ، يردون بها الحق الذي جاءهم به موسى عليه السلام .

وقولهم{[411]} : { وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ْ } أي : وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء ، ولتخرجونا من أرضنا . وهذا تمويه منهم ، وترويج على جهالهم ، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى ، وعدم الإيمان به .

وهذا لا يحتج به ، من عرف الحقائق ، وميز بين الأمور ، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين .

وأما من جاء بالحق ، فرد قوله بأمثال هذه الأمور ، فإنها تدل على عجز موردها ، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء خصمه ، لأنه لو كان له حجة لأوردها ، ولم يلجأ إلى قوله : قصدك كذا ، أو مرادك كذا ، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه ، أم كاذبًا ، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله ، وما يدعو إليه ، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض ، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين ، هداية الخلق ، وإرشادهم لما فيه نفعهم .

ولكن حقيقة الأمر ، كما نطقوا به بقولهم : { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ْ } أي : تكبرًا وعنادًا ، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون ، ولا لاشتباه فيه ، ولا لغير ذلك من المعاني ، سوى الظلم والعدوان ، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون .


[411]:- في ب: وقوله.