في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (62)

50

ولكن قلوب القوم كانت قد بلغت من الفساد والاستغلاق والانطماس درجة لا تستشعر معها جمال تلك الصورة ولا جلالها ، ولا تحس بشاشة هذا القول الرفيق ، ولا وضاءة هذا الجو الطليق . . وإذا بهم يفاجأون ، حتى ليظنون بأخيهم صالح الظنون !

( قالوا : يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ! أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ) . .

لقد كان لنا رجاء فيك . كنت مرجوا فينا لعلمك أو لعقلك أو لصدقك أو لحسن تدبيرك ، أو لهذا جميعه . ولكن هذا الرجاء قد خاب . .

( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) . .

إنها للقاصمة ! فكل شيء يا صالح إلا هذا ! وما كنا لنتوقع أن تقولها ! فيا لخيبة الرجاء فيك ! ثم إننا لفي شك مما تدعونا إليه . شك يجعلنا نرتاب فيك وفيما تقول :

( وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ) . .

وهكذا يعجب القوم مما لا عجب فيه ؛ بل يستنكرون ما هو واجب وحق ، ويدهشون لأن يدعوهم أخوهم صالح إلى عبادة الله وحده . لماذا ؟ لا لحجة ولا لبرهان ولا لتفكير . ولكن لأن آباءهم يعبدون هذه الآلهة !

وهكذا يبلغ التحجر بالناس أن يعجبوا من الحق البين . وأن يعللوا العقائد بفعل الآباء !

وهكذا يتبين مرة ثانية وثالثة أن عقيدة التوحيد هي في صميمها دعوة للتحرر الشامل الكامل الصحيح ودعوة إلى إطلاق العقل البشري من عقال التقليد ، ومن أوهاق الوهم والخرافة التي لا تستند إلى دليل وتذكرنا قولة ثمود لصالح :

( قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ) . .

تذكرنا بما كان لقريش من ثقة بصدق محمد [ ص ] وأمانته . فلما أن دعاهم إلى ربوبية الله وحده تنكروا له كما تنكر قوم صالح ، وقالوا : ساحر . وقالوا : مفتر . ونسوا شهادتهم له وثقتهم فيه !

إنها طبيعة واحدة ، ورواية واحدة تتكرر على مدى العصور والدهور . .

/خ68

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ} (62)

قوله تعالى : { قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب 62 قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير } قالت ثمود الطاغية لنبيهم الكريم صالح عليه السلام : كنا نرجو أن تكون فينا سيدا قبل أن تقلو لنا هذا القول ؛ إذ تأمرنا أن نعبد إلها واحدا ونذر ما كان يعبد آباؤنا من قبل { أتنهانا أن نعبد آباؤنا } الاستفهام للإنكاري ؛ فهم يستنكرون أن ينهاهم نبيهم صالح عن عبادة أوثان صماء لا تشر ولا تنفع ، وقد كان آباؤهم يعبدونها من قبل ، فهم على آثار آبائهم الضالين مهتدون . وهم بذلك سادرون في ضلالهم لا يثنيهم عن ذلك حق ولا منطق ولا حجة .

قوله : { وإننا لفي شك مما تدعوانا إليه مريب } متشككون فيما جاءهم به صالح من دعوة لتوحيد الله وإفراده بالإلهة والإقرار له وحده بالعبودية دون أحد غيره { مريب } من الريبة ، وهي التهمة والشك ، ومنه : أربته فأنا أربيه إرابة ؛ إذ فعلت به فعلا يوجب له الريبة .

فالمريب : الموجب للشك والتهمة ، أو الموقع في الريبة وهي قلق النفس وعدم الطمأنينة{[2119]} .


[2119]:مختار الصحاح ص 265 والمصباح المنير جـ 1 ص 265 وتفسير النسفي جـ 2 ص 195 وتفسير الرازي جـ 18 ص 19.