وفي الختام يجيء التعقيب على قضية العمل والجزاء ، وقضية الشرك قبلها والإيمان ، برد كل ما في السماوات
والأرض لله ، وإحاطة الله بكل شيء في الحياة وما بعد الحياة :
( ولله ما في السماوات وما في الأرض ، وكان الله بكل شيء محيطًا ) .
وإفراد الله سبحانه بالألوهية يصاحبه في القرآن كثيرا إفراده سبحانه بالملك والهيمنة - والسلطان والقهر ، فالتوحيد الإسلامي ليس مجرد توحيد ذات الله . وإنما هو توحيد إيجابي . توحيد الفاعلية والتأثير في الكون ، وتوحيد السلطان والهيمنة أيضا .
ومتى شعرت النفس أن لله ما في السموات وما في الأرض . وأنه بكل شيء محيط ، لا يند شيء عن علمه ولا عن سلطانه . . كان هذا باعثها القوي إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والعبادة ؛ وإلى محاولة إرضائه باتباع منهجه وطاعة أمره . . وكل شيء ملكه . وكل شيء في قبضته . وهو بكل شى ء محيط
وبعض الفلسفات تقرر وحدانية الله . ولكن بعضها ينفي عنه الإرداة . وبعضها ينفي عنه العلم . وبعضها ينفي عنه السلطان . وبعضها ينفي عنه الملك . . إلى آخر هذا الركام الذي يسمى " فلسفات ! " . . ومن ثم يصبح هذا التصور سلبيا لا فاعلية له في حياة الناس ، ولا أثر له في سلوكهم وأخلاقهم ؛ ولا قيمة له في مشاعرهم وواقعهم . . كلام ! مجرد كلام !
إن الله في الإسلام ، له ما في السموات وما في الأرض . فهو مالك كل شيء . . وهو بكل شيء محيط . فهو مهيمن على كل شيء . . وفي ظل هذا التصور يصلح الضمير . ويصلح السلوك . وتصلح الحياة . .
وقوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ) ذلك بيان قاطع وكبير من الله جلّت قدرته بأنه مالك كل شيء في السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن . فالخلق والكائنات جميعا قبضته وبين يديه . ولعل في ذلك إشارة لاتخاذه إبراهيم خليلا ؛ كيلا يسأل واهم عن حاجته لمثل هذه الخُلّة . وهي ليست خلة الصديق للصديق كالذي عليه الناس ولكنها مرتبة قاصية سامقة في التقرّب والإكرام ، ذلك أن الله غني عن صداقة أحد وأعوانه فهو الذي يملك كل شيء بما في ذلك الخلائق والأحياء والأجرام وما تناثر في أرجاء الكون الهائل المخوف من أشياء وكائنات .
قوله : ( وكان الله بكل شيء محيطا ) إنه سبحانه منذ الأزل الغائر في القدم وفي الأبد الممتد الأبيد لهو محيط بكل شيء . وإحاطته تتضمن علمه المطلق غير المحدود وهيمنته الغامرة المستحوذة ، فهو سبحانه عليم بما كان وما سيكون وما لم يكن بعد ، وهو لا يندّ من علمه خبر من أخبار السماوات والأرض أو أخبار الأحياء والأموات أو أخبار الأولين والآخرين ، سواء في دنيا الفناء أو دار الآخرة حيث الديمومة والبقاء . وهو كذلك مهيمن على الوجود وما فيه بماله من قدرة متسلطة قد بسطها على الخليقة كافة . كل ذلك نتلمسه من كونه محيطا بكل شيء كما جاء في الآية ، والإحاطة لفظة معبّرة أو في التعبير لا نتصوّر لفظة أخرى تعطي مدلولا مثل ما لها من مدلول . وتلك واحدة من روائع القرآن في التعبير بما يقطع أنه معجز وأنه من طريق الوحي{[841]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.