في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا} (123)

114

ثم يعقب السياق بقاعدة الإسلام الكبرى في العمل والجزاء . . إن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولا إلى الأماني . إنه يرجع إلى أصل ثابت ، وسنة لا تتخلف ، وقانون لا يحابي . قانون تستوي أمامه الأمم - فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر - وليس أحد تخرق له القاعدة ، وتخالف من أجله السنة ، ويعطل لحسابه القانون . . إن صاحب السوء مجزى بالسوء ؛ وصاحب الحسنة مجزى بالحسنة . ولا محاباة في هذا ولا مماراة :

( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب . من يعمل سوءا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا . . ومن يعمل من الصالحات - من ذكر أو أنثى وهو مؤمن - فأولئك يدخلون الجنة ، ولا يظلمون نقيرا ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله - وهو محسن - واتبع ملة إبراهيم حنيفا ، واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) .

ولقد كان اليهود والنصارى يقولون : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) . . وكانوا يقولون : ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) . . وكان اليهود ولا يزالون يقولون : إنهم شعب الله المختار !

ولعل بعض المسلمين كانت تراود نفوسهم كذلك فكرة أنهم خير أمة أخرجت للناس . وأن الله متجاوز عما يقع منهم . . بما أنهم المسلمون . .

ولقد شق على المسلمين قول الله لهم :

( ومن يعمل سوء ا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرًا ) . .

فقد كانوا يعرفون طبيعة النفس البشرية ؛ ويعرفون أنها لا بد أن تعمل سوءا . مهما صلحت ، ومهما عملت من حسنات .

كانوا يعرفون النفس البشرية - كما هي في حقيقتها - وكانوا من ثم يعرفون أنفسهم . . لم يخدعوا أنفسهم عن حقيقتها ؛ ولم يخفوا عن أنفسهم سيئاتها ؛ ولم يتجاهلوا ما يعتور نفوسهم من ضعف أحيانا ، ولم ينكروا أو يغطوا هذا الضعف الذي يجدونه . ومن ثم ارتجفت نفوسهم ، وهم يواجهون بأن كل سوء يعملونه يجزون به . ارتجفت نفوسهم كالذي يواجه العاقبة فعلا ويلامسها ، وهذه كانت ميزتهم . أن يحسوا الآخرة على هذا النحو ، ويعيشوا فيها فعلا بمشاعرهم كأنهم فيها . لا كأنها آتية لا ريب فيها فحسب ! ومن ثم كانت رجفتهم المزلزلة لهذا الوعيد الأكيد !

قال الإمام أحمد : حدثنا عبدالله بن نمير ، حدثنا إسماعيل ، عن أبي بكر بن أبي زهير ، قال : " أخبرت أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال : " يا رسول الله ، كيف الفلاح بعد هذه الآية ؟ ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ، من يعمل سوءا يجز به ) . . فكل سوء عملناه جزينا به . . فقال النبى [ ص ] : " غفر الله لك يا أبا بكر . ألست تمرض ؟ ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللأواء ؟ " قال بلى ! قال : " فهو مما تجزون به " . . [ ورواه الحاكم عن طريق سفيان الثورى عن إسماعيل . ]

وروى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - إلى ابن عمر ، يحدث عن أبى بكر الصديق . قال : كنت عند النبى [ ص ] فنزلت هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرًا )فقال رسول الله [ ص ] : " يا أبا بكر ، ألا أقرئك آية نزلت علي ؟ " قال : قلت يا رسول الله فأقرأنيها . . فلا أعلم أني قد وجدت انفصاما في ظهري ، حتى تمطيت لها ! فقال رسول الله [ ص ] : " مالك يأ أبا بكر ؟ " فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! وأينا لم يعمل السوء ، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ! فقال رسول الله [ ص ] : " أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فإنكم تجزون بذلك في الدنيا ، حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب . وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة " . [ وكذا رواه الترمذي ] .

وروى ابن أبى حاتم - بإسناده - عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله إنى لأعلم أشد آية في القرآن . فقال : " ما هي يا عائشة ؟ " قلت : ( من يعمل سوءا يجز به )فقال . " ما يصيب العبد المؤمن ، حتى النكبة ينكبها " . [ ورواه ابن جرير ] .

وروى مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - بإسناده - عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال : لما نزلت : ( من يعمل سوءا يجز به )شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله [ ص ] : " سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة . حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها " . .

على أية حال لقد كانت هذه حلقة في إنشاء التصور الإيماني الصحيح عن العمل والجزاء . ذات أهمية كبرى في استقامة التصور من ناحية ، واستقامة الواقع العملي من ناحية أخرى . ولقد هزت هذه الآية كيانهم ، ورجفت لها نفوسهم ، لأنهم كانوا يأخذون الأمر جدا . ويعرفون صدق وعد الله حقا . ويعيشون هذا الوعد ويعيشون الآخرة وهم بعد في الدنيا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا} (123)

قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) .

ثمة روايات عديدة ومختلفة في سبب نزول هذه الآية . فقد قيل إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم . وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيّين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله ، فأنزل الله : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : تخاصم أهل الأديان ، فقال أهل التوراة : كتابنا خير الكتب ونبيّنا خير الأنبياء ، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك ، وقال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام وكتابنا نسخ كل كتاب ونبيّنا خاتم النبيين وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم وقال : ( ليس بأمانيكم . . . ) {[838]} الأمانيّ مفردها الأمنية ومعناها البغية أو ما يُتمنى من الأمور . وفي الآية بيان حاسم يفصل بين هؤلاء المتجادلين في غير مجاملة أو محاباة أو هوادة ، والأصل في ذلك أن الإسلام لا يقيم وزنا للنعرات العصبية الفارغة ، أو المفاخرة بالآباء والأجداد ولا المباهاة بالأشخاص والعناوين وكل المظاهر الشكلية ، لا يعبأ الإسلام بشيء من ذلك ، إنما يعبأ بالعقيدة الصحيحة المستقيمة والإيمان الساطع المستنير ليزن الأمور والأشخاص جميعا بميزان الإيمان الصحيح والعمل المخلص النافع المتواصل وكفى ، والله سبحانه يحسم الخلاف هنا ليبين للمتخاصمين أن النجاة لا تكون بالتمني ولا بإطلاق الأماني من غير عمل مخلص مشروع ، فإن الذي يعمل السوء لسوف يلقى جزاءه كيفما كانت ملّته التي يدين بها ، فلا يسرع بالمرء نحو الفوز والنجاة إلا عمله الصالح ، وليس في مجرّد تمنّيه من غير عمل إلا ما يبطئ به دون النجاة والخلاص .

ويبدو أن ثمة إشكالا في قوله تعالى : ( من يعمل سوءا يجز به ) فإن هذا المفهوم يفيد العموم من غير تخصيص كما يفهم من ظاهر الآية فليس من أحد يقارف سيئة أو محظورا إلا وهو مسؤول عنه ومجازى ، وكأن التوبة من العبد لا تؤثر في إذهاب الجزاء عنه ! .

وخير ما جاء في ذلك فيما يزيل الإشكال هو ما قاله جمهور المفسرين : وهو أن لفظ الآية عام وأن كلا من الكافر والمؤمن يجازى بعمل السوء ، فأما مجازاة الكافر فالنار ؛ وذلك لكفره الذي أورده أشدّ الجزاء ، وأما مجازاة المؤمن فتتحصل له بما يمسه من ضروب الشقاء والمتاعب كالفقر والمرض والحزن والنصب وغير ذلك مما يقع الإنسان في الدنيا . ومثل هذه المصاب والمتاعب تتكفّر بسببها سيئات المؤمن وخطاياه لينجو في الآخرة . وهي نفسها الجزاء المقرر للمؤمن في حياته في مقابلة ما ارتكب من تقصير وخطيئات .

فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي بكر رضي الله عنه قال : يا رسول الله ! كيف الفلاح بعد هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ) فكل سوء عملناه جزينا به ، فقال النبي ( ص ) : " غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ؟ ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللأواء ؟ " قال : بلى قال : " فهو ما تجزون به " .

وفي حديث آخر أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال : لما نزلت : ( من يعمل سوءا يجز به ) شق ذلك على المسلمين ، فقال لهم رسول الله ( ص ) : " سدّدوا وقاربوا ، فإن كل ما يصاب به المسلم كفارة ، حتى الشوكة يشاكها ، والنكبة ينكبها " .

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أنه قال عقيب نزول هذه الآية : بكينا وحزنّا وقلنا يا رسول الله ( ص ) ما أبقت هذه الآية من شيء قال : " أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت ولكن أبشروا وقاربوا وسدّدوا ، فإنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفّر الله بها من خطيئته ، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه " .

قوله : ( ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) لا ينفع أحدا أن يتمنى ولا ينجيه من العذاب أن يطلق التمنيات بغير حساب من عمل صالح . فإن ما يجتاز به العبد صراط الحساب هو العمل الخالص لوجه الله ، وهو في أية حال ليس له من دون الله أي معين أو مجير أو نصير ، يستوي في هذا الحكم أن يكون العبد مؤمنا أو كافرا .


[838]:- روح المعاني جـ 5 ص 152.