في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

100

ذلك البيان مع هذا التوكيد يلقي في النفس أن سنة الله ماضية على استقامتها في خلقه وفي دينه وفي وعده وفي و عيده . وإذن فليستقم المؤمنون بدين الله والداعون له على طريقتهم - كما أمروا - لا يغلون في الدين ولا يزيدون فيه ، ولا يركنون إلى الظالمين مهما تكن قوتهم ، ولا يدينون لغير الله مهما طال عليهم الطريق . ثم يتزودون بزاد الطريق ، ويصبرون حتى تتحقق سنة الله عندما يريد .

( فاستقم كما أمرت - ومن تاب معك - ولا تطغوا . إنه بما تعملون بصير . ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذكرى للذاكرين ، واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) . .

هذا الأمر للرسول [ ص ] ومن تاب معه :

( فاستقم كما أمرت ) . . أحس - عليه الصلاة والسلام - برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيرا إليه : " شيبتني هود . . . " . فالاستقامة : الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف . وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة ، والتدبر الدائم ، والتحري الدائم لحدود الطريق ، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلا أو كثيرا . . ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة .

وإنه لمما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة ، لم يكن نهيا عن القصور والتقصير ، إنما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة . . وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر . والله يريد دينه كما أنزله ، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو ، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته كالتفريط والتقصير . وهي التفاتة ذات قيمة كبيرة ، لإمساك النفوس على الصراط ، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء . .

( إنه بما تعملون بصير ) . .

والبصر - من البصيرة - مناسب في هذا الموضع ، الذي تتحكم فيه البصيرة وحسن الإدراك والتقدير . .

فاستقم - أيها الرسول - كما أمرت . ومن تاب معك . . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

قوله تعالى : { فاستقم كما أمرت } ، أي : استقم على دين ربك ، والعمل به ، والدعاء إليه كما أمرت ، { ومن تاب معك } ، أي : ومن آمن معك فليستقيموا ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ، ولا تروغ روغان الثعلب . أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان ، أنا والدي إملاء ، ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن العلاء بن كريب ، ثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : " قلت ، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك ، قال قل آمنت بالله ثم استقم " .

قوله تعالى : { ولا تطغوا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني ، وقيل : معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرت ونهيت .

قوله تعالى : { إنه بما تعملون بصير } ، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء . قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية ، ولذلك قال : " شيبتني هود وأخواتها " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد ابن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام بن مطهر ثنا عمر بن علي ، عن معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا ، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (112)

فإذا علمت أن شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا بد منه { فاستقم } أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب أنك لا تكلف إلاّ نفسك وأن الذي أرسلك لا يغفل عن شيء ، ومن استقام استقيم له .

ولما كان من المقطوع به أن الآمر له صلى الله عليه وسلم مَن له الأمر كله ، بني للمفعول قوله : { كمآ أمرت } أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع الأصول والفروع سواء كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلاً بين الإفراط والتفريط ولا يضيق{[40230]} صدرك من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم ، نحن ندبر الأمر كما نريد على حسب{[40231]} ما نعلم .

ولما كان الفاصل بين المعطوف و{[40232]} المعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير المستتر ، عطف عليه قوله : { ومن } أي وليستقم{[40233]} أيضاً من { تاب } عن الكفر مؤمناً { معك } على ما أمروا تاركين القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وابو داود والنسائي عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة{[40234]} فقلنا : ألا تدعو الله لنا ، فقعد وهو محمر وجهه فقال : كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار{[40235]} فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين ، وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو{[40236]} عصب وما يصده ذلك عن دينه{[40237]} والله ليتمن الله{[40238]} هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية . والاستقامة : الاستمرار في جهة واحدة .

ولما كانت وسطاً بين إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر ، وهو في الأغلب يورث انكسار{[40239]} النفس واحتقارها والخوف من الله ، وكان الإفراط يورث إعجاباً ، وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين ، طوى التفريط ونهى عن الإفراط فقال : { ولا تطغوا } أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطاً ، فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره ، والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه ، فقد رضي منكم سبحانه لاقتصاد في العمل مع حسن المقاصد ، ويجوز أن يكون المعنى : ولا تبطركم النعمة فتخرجكم عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة .

ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة تصريحاً ، فأفهم النهي عن التفريط ، {[40240]}وهو النقص عن المأمور تلويحاً من باب الأولى ، على ذلك مؤكداً تنزيلاً لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر{[40241]} فقال : { إنه بما تعملون } قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار { بصير* } ومادة " طغى " واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو ، فالغطاء : ما ستر به الشيء عالياً عليه ، ولا يكون ساتراً لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز حده ، وغطى الليل - إذا غشي ، وكل شي ارتفع فهو غاط . وطغى السيل - إذا جاء بماء كثير ، والبحر{[40242]} : هاجت أمواجه ، والطغيان : مجاوزة الحد{[40243]} في العصيان ، والغائط والغيط : المطمئن من الأرض ، لأن{[40244]} ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة كانت لا تزال ريّاً فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في{[40245]} ذلك ، ومنه الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر .


[40230]:في ظ: لا يضيع.
[40231]:في ظ: حسن.
[40232]:زيد من ظ ومد.
[40233]:في ظ: لتستقم.
[40234]:سقط من مد.
[40235]:في ظ: بالميشار.
[40236]:من صحيح البخاري 510، وفي مد "و".
[40237]:زيد ما بين الحاجزين من مد والصحيح.
[40238]:سقط من مد.
[40239]:في ظ: لكساد.
[40240]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله وكان الإفراط يورث إعجابا وربما أفضى بالإنسان إلى أظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين طوى التفريط نهى عن الإفراط ـ وقد مر آنفا.
[40241]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا يكاد يسلم منه إلا الفرد النادر وهو في الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله وكان الإفراط يورث إعجابا وربما أفضى بالإنسان إلى أظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين طوى التفريط نهى عن الإفراط ـ وقد مر آنفا.
[40242]:في ظ: الحب ـ كذا.
[40243]:سقط من ظ.
[40244]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا.
[40245]:سقط من مد.