( وإذا قيل لهم : اتبعوا ما أنزل الله قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) . .
وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام ، وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه ، وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لا يقره الإسلام . أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ما عندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلا . . سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شيء في أمر العقيدة من غير الله ؛ وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك :
( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) .
أولو كان الأمر كذلك ، يصرون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم ؟ فأي جمود هذا وأي تقليد ؟ !
قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } . قيل : هذه قصة مستأنفة والهاء والميم في " لهم " كناية عن غير مذكور . وروي عن ابن عباس قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام ، فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أفضل وأعلم منا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقيل الآية متصلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب ، وكفار قريش ، والهاء والميم عائدة إلى قوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً ) .
قوله تعالى : { قالوا بل نتبع ما ألفينا } . أي ما وجدنا .
قوله تعالى : { بهذا في آباءنا } . من عبادة الأصنام ، وقيل معناه : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة . والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى ( يا أيها الناس كلوا ) ( قالوا بل نتبع ) قرأ الكسائي : بل نتبع بإدغام اللام في النون . وكذلك يدغم لام هل وبل في التاء والثاء والراء والسين والصاد والطاء والظاء ووافق حمزة في الثاء والسين ، ( ما ألفينا ) ما وجدنا عليه آباءنا من التحريم والتحليل .
قوله تعالى : { أو لو كان آباؤهم } . أي كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم . { لا يعقلون شيئاً } . والواو في أولو واو العطف ، ويقال لها أيضا واو التعجب ، دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ ، والمعنى أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالاً لا يعقلون شيئاً ، لفظه عام ، ومعناه الخصوص . أي لا يعقلون شيئاً من أمور الدين لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا .
قوله تعالى : { ولا يهتدون } . ثم ضرب الله مثلاً فقال جل ذكره : { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون } .
ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو{[6600]} ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة{[6601]} فقال عاطفاً على { ومن الناس } معجباً منهم : { وإذا قيل } أي من {[6602]}أي قائل {[6603]}كان . ولما {[6604]}كان الخطاب للناس عامة وكان أكثرهم مقلداً ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال : { لهم{[6605]} اتبعوا } أي اجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان ، وفي قوله له { ما أنزل الله{[6606]} } {[6607]}أي الذي له العلم الشامل والقدرة التامة{[6608]} انعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله { قالوا بل } أي لا نتبع ما أنزل{[6609]} الله بل { نتبع } أي نجتهد في تبع { ما ألفينا } أي وجدنا ، قال الحرالي : من الإلفاء وهو وجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر إليه { عليه آباءنا } أي على ما هم عليه من الجهل والعجز ، قال : ففيه إشعار بأن عوائد الآباء منهية{[6610]} حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين{[6611]} ففيه التحذير في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها عوائد آبائهم - انتهى .
ولما أبوا {[6612]}إلا إلف{[6613]} وهاد التقليد فدنوا عن {[6614]}السمو إلى عداد{[6615]} أولي العلم بالنظر السديد{[6616]} أنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك فقال مبكتاً لهم : { أولو } أي أيتبعون أباءهم والحال أنه { كان{[6617]} آباؤهم لا يعقلون{[6618]} } ببصائر قلوبهم { شيئاً } من الأشياء المعقولة { ولا يهتدون * } بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.