في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (39)

30

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير . وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ، نعم المولى ونعم النصير ) . .

وهذه حدود الجهاد في سبيل الله في كل زمان ، لا في ذلك الزمان . . ومع أن النصوص المتعلقة بالجهاد في هذه السورة ، وبقوانين الحرب والسلام ، ليست هي النصوص النهائية ، فقد نزلت النصوص الأخيرة في هذا الباب في سورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة ؛ ومع أن الإسلام - كما قلنا في تقديم السورة - حركة إيجابية تواجه الواقع البشري بوسائل مكافئة ، وأنه حركة ذات مراحل ، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية . .

ومع هذا فإن قوله تعالى :

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) . .

يقرر حكماً دائماً للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم . .

ولقد جاء الإسلام - كما سبق في التعريف بالسورة - ليكون إعلاناً عاماً لتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضاً وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين . . وأن معنى هذا الإعلان : الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها ، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض ، الحكم فيه للبشر في صورة من الصور . . . الخ .

ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين :

أولهما : دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين ، ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان ، ويرجعون بعبوديتهم لله وحده ، ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال . . وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام ، وتنفذه في عالم الواقع ، وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين ، أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه . .

وثانيهما : تحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر - في صورة من الصور - وذلك لضمان الهدف الأول ، ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها ، بحيث لا تكون هناك دينونةإلا لله وحده - فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله - وليس هو مجرد الاعتقاد . .

ولا بد هنا من بيان الشبهة التي قد تحيك في الصدور من هذا القول ، على حين أن الله سبحانه يقول : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) . .

ومع أن فيما سبق تقريره عن طبيعة الجهاد في الإسلام - وبخاصة فيما اقتطفناه من كتاب : " الجهاد في سبيل الله " للأستاذ أبي الأعلى المودودي ، ما يكفي للبيان الواضح . . إلا أننا نزيد الأمر إيضاحاً ، وذلك لكثرة ما لبس الملبسون ومكر الماكرون من أعداء هذا الدين !

إن الذي يعنيه هذا النص : ( ويكون الدين كله لله ) . . هو إزالة الحواجز المادية ، المتمثلة في سلطان الطواغيت ، وفي الأوضاع القاهرة للأفراد ، فلا يكون هناك - حينئذ - سلطان في الأرض لغير الله ، ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله . . فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفراداً يختارون عقيدتهم أحراراً من كل ضغط . على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين ، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى ، ويفتن بها الذين يتحررون فعلا من كل سلطان إلا سلطان الله . . إن الناس أحرار في اختيار عقيدتهم ، على أن يعتنقوا هذه العقيدة أفراداً ، فلا يكونون سلطة قاهرة يدين لها العباد . فالعباد لا يدينون إلا لسلطان رب العباد .

ولن تنال البشرية الكرامة التي وهبها لها الله ، ولن يتحرر " الإنسان " في " الأرض " ، إلا حين يكون الدين كله لله ، فلا تكون هنالك دينونة لسلطان سواه .

ولهذه الغاية الكبرى تقاتل العصبة المؤمنة :

( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) . .

فمن قبل هذا المبدأ وأعلن استسلامه له ، قبل منه المسلمون إعلانه هذا واستسلامه ، ولم يفتشوا عن نيته وما يخفي صدره ، وتركوا هذا لله :

( فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير ) . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (39)

قوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةً } أي : شرك ، قال الربيع : حتى لا يفتن مؤمن عن دينه .

قوله تعالى : { ويكون الدين كله لله } ، أي : ويكون الدين خالصاً لله لا شرك فيه .

قوله تعالى : { فإن انتهوا } ، عن الكفر .

قوله تعالى : { فإن الله بما يعملون بصير } ، قرأ يعقوب : ( تعملون ) بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (39)

ولما أشار ختم الآية قتالهم إن أصروا ، وكان التقدير : فأقدموا عليهم حيثما{[34980]} عادوكم إقدام{[34981]} الليوث الجريئة غير هائبين كثرتهم ولا قوتهم فإن الله خاذلهم ، عطف عليه قوله مصرحاً بالمقصود : { وقاتلوهم } أي دائماً { حتى لا تكون فتنة } أي سبب يوجب ميلاً عن الدين أصلاً { ويكون الدين } .

ولما كانت هذه الوقعة قد سرت كتائب هيبتها في القلوب فوجبت أيما وجبت ، فضاقت وضعفت صدور الكافرين ، وانشرحت وقويت قلوب المؤمنين ؛ اقتضى هذا السياق التأكيد فقال : { كله لله } أي الملك الأعظم خالصاً غير مشوب بنوع خوف أو إغضاء على قذى ، وأصل الفتن : الخلطة المحيلة ، ويلزم ذلك أن{[34982]} يكون السبب عظيماً لأن الشيء لا يحول عن حاله إلا لأمرعظيم لأن مخالفة المألوف عسرة ، ومنه النتف ، وكذا نفت القدر ، وهو أن يغلي المرق فيلزق بجوانبها ، والتنوفة : القفر ، لأنه{[34983]} موضع ذلك ، ويلزمه الإخلاص ، من فتنت الذهب - إذا أذبته فتميز{[34984]} جيده من رديئه ، وتارة يكون الميل إلى جهة الرديء وهو الأغلب ، وتارة إلى الجيد ، ومنه { وفتناك فتوناً{[34985]} }[ طه :40 ] .

ولما كان لهم{[34986]} حال اللقاء حالان : إسلام وإقبال ، وكفر وإعراض وإخلال ، قال مبيناً لحكم القسمين : { فإن انتهوا } أي عن قتالكم{[34987]} بالمواجهة بالإسلام فاقبلوا منهم وانتهوا عن مسهم بسوء ولا تقولوا : أنتم{[34988]} متعوذون بذلك غير مخلصين ، تمسكاً بالتأكيد بكله ، فأنه ليس عليكم{[34989]} إلا ردهم عن المخالفة الظاهرة ، وأما الباطن فإلى الله { فإن الله } أي المحيط علماً وقدرة ، وقدم المجرور اهتماماً به إفهاماً لأن العلم به كالمختص به{[34990]} فقال{[34991]} : { بما يعملون{[34992]} } أي وإن دقَّ { بصير* } فيجازيهم عليه ، وأما أنتم فلستم عالمين بالظاهر والباطن معاً فعليكم قبول الظاهر ، والله بما تعملون أنتم أيضاً - من كف عنهم وقتل لله{[34993]} أو لحظّ نفس - بصير ، فيجازيكم على حقائق الأمور وبواطنها وإن أظهرتم للناس ما يقيم عذركم ، ويكمل لكل منكم أجر ما كان عزم على مباشرته من قتالهم لو{[34994]} لم ينتهوا ، وإن لم ينتهوا بل أقدموا على قتالكم ، هكذا كان الأصل ، ولكنه سبحانه عبر بقوله :{ وإن تولوا }


[34980]:في ظ: حيث.
[34981]:من ظ، وفي الأصل: فقام.
[34982]:زيد من ظ.
[34983]:سقط من ظ.
[34984]:في ظ: فيميز.
[34985]:سورة 20 آية 40.
[34986]:سقط من ظ.
[34987]:في ظ: قتالهم.
[34988]:في ظ: أنهم.
[34989]:من ظ، وفي الأصل: عليك.
[34990]:زيد من ظ.
[34991]:سقط من ظ.
[34992]:من ظ، وهو ينسجم مع ما يأتي، وفي الأصل: تعلمون ـ بالخطاب، وهي قراءة الحسن ويعقوب وسلام بن سليمان.
[34993]:من ظ، وفي الأصل: لهم الله.
[34994]:من ظ، وفي الأصل "و".