ويسدل الستار على هذا المشهد . ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف - على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار ، ويزيدون فيها وينقصون ، ويضيفون إليها من خيالهم جيلا بعد جيل ، حتى تتضخم وتتحول ، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون :
( سيقولون : ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون : خمسة سادسهم كلبهم - رجما بالغيب ، ويقولون : سبعة وثامنهم كلبهم . قل : ربي أعلم بعدتهم . ما يعلمهم إلا قليل . فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ، ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) . .
فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه . وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ، أو أكثر . وأمرهم موكول إلى الله ، وعلمهم عند الله . وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة . فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم . والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير . لذلك يوجه القرآن الرسول [ ص ] إلى ترك الجدل في هذه القضية ، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم . تمشيا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد . وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق . وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله ، فليترك إلى علم الله .
{ سيقولون } أي الخائضون في قصتهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين . { ثلاثة رابعهم كلبهم } أي هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم . قيل هو قول اليهود وقيل هو قول السيد من نصارى نجران وكان يعقوبيا . { ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } قاله النصارى أو العاقب منهم وكان نسطوريا . { رجماً بالغيب } يرمون رميا بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه وإتيانا به ، أو ظنا بالغيب من قولهم رجم بالظن إذا ظن وإنما لم يذكر بالسين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه . { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } إنما قاله المسلمون بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليهما الصلاة والسلام وإيماء الله تعالى إليه بأن اتبعه قوله { قل ربي أعلم بعدّتهم ما يعلمهم إلا قليل } وأتبع الأولين قوله رجماً بالغيب وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة ، فإن عدم إيراد رابع في نحو هذا المحل دليل العدم مع أن الأصل ينفيه ، ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله { رجما بالغيب } ليتعين الثالث وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالواقعة حالا من المعرفة ، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت . وعن علي رضي الله عنه هم سبعة وثامنهم كلبهم وأسماؤهم : يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا هؤلاء أصحاب يمين الملك ، ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش أصحاب يساره وكان يستشيرهم ، والسابع الراعي الذي وافقهم واسم كلبهم قطمير واسم مدينتهم أفسوس . وقيل الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم . { فلا تُمار فيهم إلا مِراءً ظاهراً } فلا تجادل في شأن الفتية إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه ، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم والرد عليهم . { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } ولا تسأل أحدا عن قصتهم سؤال مسترشد فإنما فيما أوحي إليك لمندوحة من غيره ، مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول وتزييف ما عنده فإنه مخل بمكارم الأخلاق .
أخبر أنَّ علومَ الناسِ متقاصرةٌ عن عددهم ؛ فالأحوالُ التي لا يطلع عليها إلا الله في أسرارهم وقلوبهم . . . متى يكون للخَلْق عليها إشرافٌ ؟
أشكل عليهم عددهم ، وعددهم يُعْلَم بالضرورة ، وهم لا يُدْرَكُون بالمشاهدة .
ويقال سَعِدَ الكلبُ حيث كَرَّرَ الحقُّ - سبحانه - ذِكْرَهم وذكَرَ الكلبَ معهم على وجه التكرار ، ولمَّا ذَكَرَهم عَدَّ الكلب في جملتهم .
قوله جلّ ذكره : { قُل رَّبِىَ أَعَلَمُ بِعِدَّتِهِم ما يَعلَمُهُمْ إلاَّ قَلِيلٌ } .
لما كانوا من أوليائه فلا يعلمهم إلا خواص عباده ، ومَنْ كان قريباً في الحال منهم ؛ فهم في كتم الغَيْرَة وإيواء الستر لا يَطَّلعُ الأجانبُ عليهم ؛ ولا يعلمهم إلا قليلٌ ؛ لأنَّ الحق - سبحانه يستر أولياءه عن الأجانب ، فلا يعلمهم إلا أهل الحقيقة ، فالأجانب لا يعرفون الأقارب ، ولا تشكل أحوال الأقارب على الأقارب . كذلك قال شيوخ هذه الطائفة : " الصوفية أهل بيتٍ واحدٍ لا يدخل فيهم غيرهم " .
قوله جلّ ذكره : { وَلاَ تَسْتفِتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً } .
كما لا يعرفهم من كان بمعزلٍ عن حالتهم ، ولا يهتدي إلى أحكامهم من لا يعرفهم . . فلا يصحُّ استفتاءُ مَنْ غاب علمهم عنه في حالهم . ومَنْ لم يكن قلبُه محلاً لمحبة الأحباب لا يكون لسانُه مقراً لذكرهم .
الغيب : ما غاب عن الإنسان ، والمراد هنا : القول بالظن والتخمين .
المراء : المحاجة فيما فيه مرية وتردد .
ولا تستفت فيهم : لا تطلب الفتيا منهم ، ففيما قصه الله عليك بشأنهم ما يكفيك .
22- { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربّي أعلم بعدتهم ما يعلمه إلا قليل . . . }
أي : سيختلف الناس في عدة أصحاب الكهف- أيها الرسول الكريم- فمن الناس من سيقول : إن عدتهم ثلاثة ، رابعهم كلبهم ، ومنهم من يقول : إنهم خمسة ، سادسهم كلبهم .
{ رجما بالغيب } أي قذفا بالظن ، من غير يقين ولا علم ؛ كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه .
وجاء في التفسير الوسيط للدكتورحمد سيد طنطاوي :
أي : يرمون رميا بالخبر الغالب عنهم ، والذي لا اطلاع لهم على حقيقته ، شأنهم في ذلك شأن من يرمي بالحجارة التي لا تصيب المرمى المقصود .
{ ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم }
أي : ويقول البعض : إنهم سبعة ، والثامن هو الكلب .
{ قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } .
أي : قل أيها الرسول لمن خاضوا في عدة أصحاب الكهف : إن الله عز وجل أقدر على معرفة عددهم ، وأعلم ؛ فهو علام الغيوب ؛ فمن الأولى تفويض الأمر إليه في مثل هذه الأمور التي لا يقين عندها فيها .
أي : ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس .
روى قتادة : عن ابن عباس أنه قال : أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل ، وكانوا سبعة سوى الكلب .
ونلاحظ أنه لم يرد في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك .
لكن المفسرين لاحظوا ، أن الله تعالى عقب على الرأي الأول والثاني ، بقوله : رجما بالغيب ، وسكت عن التعقيب على الرأي الثالث ؛ مما يدل على أن أصحابه قالوا ذلك عن تثبت وتعقل ويقين .
{ فلا تمار فيهم إلاّ مراء ظاهرا } .
فلا تجادل في شأن أصحاب الكهف أحدا من الخائضين فيه ؛ إلا جدالا سهلا لينا بالتي هي أحسن .
{ ولا تستفت فيهم منهم أحدا } .
أي : لا تستفت النصارى أو اليهود أو غيرهم في شأنهم ؛ فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى دليل قاطع ، ولا نص صريح .
وقد جاءك ربك بالحق الذي لا مرية فيه ؛ فهو الحاكم المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال السابقة .
والمقصود من القصة : هو العظة والاعتذار ، وبيان : قدرة الله ، ومعرفة أن البعث حاصل لا محالة ، وهذا لا يتوقف على عدد معين ، والآية حافلة بمكارم الأخلاق ، وأدب الناقشة .