ومن ثم ترد القاعدة الكلية في الكفر والإيمان :
( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً . أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ? وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) . .
ولو شاء ربك لخلق هذا الجنس البشري خلقة أخرى ، فجعله لا يعرف إلا طريقاً واحداً هو طريق الإيمان كالملائكة مثلاً . أو لجعل له استعداداً واحداً يقود جميع أفراده إلى الإيمان .
ولو شاء كذلك لأجبر الناس جميعاً وقهرهم عليه ، حتى لا تكون لهم إرادة في اختياره .
ولكن حكمة الخالق التي قد ندرك بعض مراميها وقد لا ندرك ، دون أن ينفي عدم إدراكنا لها وجودها . هذه الحكمة اقتضت خلقة هذا الكائن البشري باستعداد للخير وللشر وللهدى والضلال . ومنحته القدرة على اختيار هذا الطريق أو ذاك . وقدرت أنه إذا أحسن استخدام مواهبه اللدنية من حواس ومشاعر ومدارك ، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس وما يجيء به الرسل من آيات وبينات ، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص . وعلى العكس حين يعطل مواهبه ويغلق مداركه ويسترها عن دلائل الإيمان يقسو قلبه ، ويستغلق عقله ، وينتهي بذلك إلى التكذيب أو الجحود ، فإلى ما قدره الله للمكذبين الجاحدين من جزاء . .
فالإيمان إذن متروك للاختيار . لا يكره الرسول عليه أحداً . لأنه لا مجال للإكراه في مشاعر القلب وتوجهات الضمير :
{ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم } بحيث لا يشذ منهم أحد . { جميعا } مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه ، وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين ، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة ، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر . { أفأنت تُكره الناس } بما لم يشأ منهم . { حتى يكونوا مؤمنين } وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار ، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلا عن الحث والتحريض عليه ؛ إذ روي أنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الاهتمام به فنزلت . ولذلك قرره بقوله : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } .
{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ 99 }
99 { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا . . . } الآية .
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه ، وتبليغ دعوته ، وكان يتحسر كثيرا ؛ لبعدهم عن طريق الهداية .
قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } . ( الكهف : 6 ) .
وفي هذه الآية بيان لحقيقة إلهية كونية ، وهي أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، ومنحه العقل والاختيار والإرادة ، وجعل الجزاء في الآخرة منوطا بكسب الإنسان واختياره في هذه الدنيا ؛ حتى يكون الجزاء من جنس العمل ، فقد خلق الله الناس مستعدين بفطرتهم للسير في طريق الخير أو الشر ، والإنسان بإرادته واختياره وكسبه هو الذي يرجح أحد الاتجاهين . قال تعالى : { ونفس وما سوها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها{ . ( الشمس : 710 ) .
وقال عز شأنه : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكر وإما كفورا } . ( الإنسان : 2 ، 3 ) .
وقال سبحانه : { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين } . ( البلد : 810 ) ؛ أي : بينا له الطريقين .
وخلاصة معنى الآية : ولو شاء ربك ألا يخلق الإنسان مستعدا بفطرته للخير والشر ، والإيمان والكفر ، ومرجحا باختياره لأحد الأمور الممكنة على ما يقابله بإرادته ومشيئته ؛ لفعل ذلك ، ولكن اقتضت حكمته أن يخلقه هكذا ؛ يوازن باختياره بين الإيمان والكفر ؛ فيؤمن بعض ، ويكفر آخرون .
{ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } . أي : أفأنت مطلوب منك أن تكره الناس على دينك حتى يصيروا مؤمنين به ؟ كلا ، فأشفق على نفسك ؛ فما عليك إلا البلاغ ، وحسبك أداء واجبك ، وهو الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
قال تعالى : { إن أنت إلا نذير } . ( فاطر : 23 ) .
وقال سبحانه : { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } . ( البقرة : 272 ) .
وقال : { إن عليك إلا البلاغ }( الشورى : 47 ) .
وقال : { وما أنت عليهم بجبار } . ( ق : 45 ) .
وقال سبحانه : { لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } . ( البقرة : 206 ) .
{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) }
ولو شاء ربك -يا محمد- الإيمان لأهل الأرض كلهم لآمنوا جميعًا بما جئتهم به ، ولكن له حكمة في ذلك ؛ فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء وَفْق حكمته ، وليس في استطاعتك أن تُكْره الناس على الإيمان .
قوله تعالى : { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين 99 وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يؤمنون } { كلهم } ، توكيد . { جميعا } حال منصوب . والمعنى : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص أشد الحرص على أن يؤمن جميع الناس فيتابعوه على الهدى والإسلام ، فأخبره الله أنه يؤمن من الناس إلا من سبقا له السعادة في الذكر الأول . ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول .
وقيل : شاء الله أن يؤمن به من علم منه في الأزل أنه مختار للإيمان به . وكذلك شاء الله أن يكفر به من علم منه في الأزل أنه مختار للكفر .
وقالت المعتزلة : المراد بالمشيئة : مشيئة القسر والإلجاء ؛ أي لو خلق فيهم الإيمان جبرا لآمنوا ؛ لكنه شاء أن يؤمنوا اختبارا فلم يؤمنوا .
قوله : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } الاستفهام للنفي ؛ أي لا تملك أنت يا محمد أن تكره الناس على الإيمان ؛ لأن ذلك إنما يكون بالتصديق والإقرار ، ولا يمكن الإكراه على التصديق ؛ أفأنت لست إلا مبلغا ، وما عليك بعد ذلك إلا أن تصدع بما يؤمر وأن تعرض عن المشركين .