في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقِيلَ يَـٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

25

وتهدأ العاصفة ، ويخيم السكون ، ويقضى الأمر ، ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن :

( وقيل : يا أرض ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء ، وقضي الأمر ، واستوت على الجودي ، وقيل بعدا للقوم الظالمين ) . .

ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل ، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض ، وتكف السماء :

( وقيل : يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي ) .

( وغيض الماء ) . .

ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها .

( وقضي الأمر ) . .

ونفذ القضاء

( واستوت على الجودي ) . .

ورست رسو استقرار على جبل الجودي . .

( وقيل بعدا للقوم الظالمين ) . .

وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير . . ( قيل )على صيغة المجهول فلا يذكر من قال ، من قبيل لف موضوعهم ومواراته :

( وقيل بعدا للقوم الظالمين ) . .

بعدا لهم من الحياة فقد ذهبوا ، وبعدا لهم من رحمة الله فقد لعنوا ، وبعدا لهم من الذاكرة فقد انتهوا . . وما عادوا يستحقون ذكرا ولا ذكرى !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقِيلَ يَـٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

{ وقيل } أي{[39294]} بأدنى إشارة بعد هلاك أهل الأرض وخلوها من الكافرين وتدمير من في السهول والجبال من الخاسرين ، وهو من إطلاق المسبب - وهو القول - على السبب - وهو الإرادة - لتصوير أمر ومأمور هو في غاية الطاعة فإنه أوقع في النفس .

ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر{[39295]} لا يعلمه إلا الله ، دل على ذلك بأداة البعد فقال { يا أرض ابلعي } أي اجذبي من غير مضغ إلى مكان خفي بالتدريج ، وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع{[39296]} كل شيء على ظهرها من جبل وغيره ، ولذلك أفرد ولم يجمع فقال : { ماءك } أي الذي تجدد على ظهرك للإغراق ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوى به على الإنبات وسائر المنافع وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك { ويا سماء أقلعي } أي أمسكي عن الإمطار ، ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي{[39297]} لا يخرج عن مراده شيء { وغيض الماء } أي المعهود ، حكم عليه بالدبوب{[39298]} في أعماق الأرض ، من المتعدي فإنه يقال : غاض الماء وغاضه الله ، كما يقال : نقض الشيء ونقضته أنا { وقضي الأمر } أي فرغ وانبتّ وانبرم في إهلاك من هلك ونجاة من نجا كما أراد الجليل على ما تقدم به وعده نوحاً عليه السلام ، لم يقدر أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا أصغر منها . فليحمد الله من أخر عنه العذاب ولا يقل ما " يحبسه " لئلا يأتيه مثل ما أتى هؤلاء أو من بعدهم { واستوت } أي استقرت واعتدلت السفينة { على الجودي } إشارة{[39299]} باسمه إلى أن الانتقام العام قد مضى ، وما بقي إلا الجود بالماء{[39300]} والخير والخصب والرحمة العامة ، وهو جبل بالموصل بعد خمسة أشهر ؛ قال قتادة : استقلت بهم لعشر خلون من رجب وكانت في الماء{[39301]} خمسين ومائة يوم ، واستقرت بهم على الجودي شهراً ، وهبط بهم يوم عاشوراء { وقيل } أي إعلاماً بهوان المهلكين والراحة منهم { بعداً } هو من بعد - بالكسر مراداً به البعد من حيث الهلاك ، فإن حقيقته بعدُ بعيد لا يرجى منه عود ، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ، وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والاختصاص { للقوم } أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما يحاولونه ما لا يعلمه أحد إلا الله{[39302]} { الظالمين* } أي العريقين في الظلم ، وهذه الآية تسع عشرة لفظة فيها أحد وعشرون نوعاً من البديع - عدها أبو حيان وقال : وروي أن أعرابياً سمعها فقال : هذا كلام القادرين . وذكر الرماني{[39303]} عدة من معانيها ، منها إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير معاناة ولا لغوب ، ومنها حسن تقابل المعاني ، ومنها حسن ائتلاف الألفاظ ، ومنها حسن البيان في تصوير الحال ، ومنها الإيجاز من غير إخلال ، ومنها تقبل الفهم على أتم الكمال ؛ والبلع : إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف ؛ والإقلاع : إذهاب الشيء من أصله حتى لا يبقى له أثر ؛ والغيض : غيبة الماء في الأرض على جهة النشف{[39304]} وإبراز الكلام على البناء للمفعول أدل{[39305]} على الكبرياء والعظمة للفاعل للإشارة إلى أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال غيره ، ونقل الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاماً أغلى من الجوهر .


[39294]:سقط من ظ.
[39295]:من ظ، وفي الأصل: يأمن.
[39296]:في ظ: فتبلع.
[39297]:في ظ: التي.
[39298]:في ظ: بالرسوب.
[39299]:في ظ: أشار.
[39300]:في ظ: والنماء.
[39301]:من ظ، وفي الأصل: الماية ـ كذا.
[39302]:زيد من ظ.
[39303]:في ظ: الكرمالي.
[39304]:في ظ: النسف.
[39305]:في ظ: دل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقِيلَ يَـٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (44)

قوله تعالى : { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين } .

هذه الآية تكشف عن عظيم قدرة الله في هذا الوجود الهائل الكبير ، بأجرامه الزاخرة العظام وأجوازه النائية الممتدة وما فيه من خلائق كاثرة لا يحصي أنواعها وأجناسها وأفرادها غير الله جلت قدرته يسخر كل ما في الكون من أجرام لفعل ما يشاء أو يقضي ، فلا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، ولا يسأل عما يفعل . وليس أدل على ذلك من ابتداء هذه الآية بالفعل الماضي للمجهول { وقيل } فذلكم أمر إلهي قاطع ما له من تعقيب ولا دافع .

ويضاف إلى ذلك هذه الكلمات المعدودة المصطفاة التي حوتها هذه الآية على هذا النحو من متانة الرصف ، وجزالة الكلمات ، وروعة التناسق والإحكام ، وحلاوة الإيقاع المؤثر ، فضلا عما تحمله هذه الكلمات القليلة من كبريات المعاني الكونية الجسام ، كل ذلك في آية وجيزة سريعة يضمها سطر أو يزيد قليلا . إن هذا لعجاب ما له في النظم من نظير ؛ فهو من نظم العالم الديان الخبير .

قوله : { يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي } { ابلعي } : اشربي من الابتلاع وهو الشرب أو الازدراد . و { أقلعي } أي أمسكي ؛ فقد أمر الله الأرض بالابتلاع والسماء بالإقلاع ، فالأرض مأمورة بنشف الماء ؛ أي شربه . والسماء كذلك مأمورة بالإمساك عن إدراك الماء . وقد تحقق ذلك بأمر الله دون إبطاء . فنشفت{[2101]} الأرض ما عليها من الماء ، وكفت السماء عن الانهمار { وغيض الماء } أي نقض وما بقي منه شيء { وقضي الأمر } أي أنجز وتحقق وعد الله لنوح بإهلاك قومه الظالمين ، وبنجاته هو والذين معه من المؤمنين { واستوت على الجودي } أي استقرت السفينة على ظهر الجودي ، وهو جبل بناحية الموصل .

قوله : { وقيل بعدا للقوم الظالمين } أ هلاكا وسحقا لهم على ظلمهم وطغيانهم وإجرامهم{[2102]} .

هكذا يقضي الله قضاءه في الكون والكائنات ؛ فهو القادر القاهر ذو الملكوت ، يجازي المجرمين المتجبرين الذين يحادون الله ورسله ويسعون في الأرض خرابا وفسادا كقوم نوح ، أولئك الظالمون العتاة الذين أسرفوا في الإجرام والطغيان ، والذين آذوا نبيهم نوحا ، وهذا النبي العظيم الصابر الذي لقي من عنت قومه وكيدهم وظلمهم وإيذائهم ما يعلو ففوق طاقات البشر ، لكن نوحا عليه السلام قد اصطبر عليهم بالغ الصبر ، واحتمل من ألوان البلاء والطغيان والتكذيب والتنكيل ، ما استحقوا به من الله أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فاستأصلهم استئصالا فلم تبق منهم بقية .


[2101]:نشفت الأرض الماء: شربته. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 923.
[2102]:الكشاف جـ 2 ص 271 وفتح القدير جـ 2 ص 500 وتفسير النسفي جـ 2 ص 189، 190.