( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن . قال : إني جاعلك للناس إماما . قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ) . .
يقول للنبي [ ص ] اذكر ما كان من ابتلاء الله لإبراهيم بكلمات من الأوامر والتكاليف ، فأتمهن وفاء وقضاء . . وقد شهد الله لإبراهيم في موضع آخر بالوفاء بالتزاماته على النحو الذي يرضى الله عنه فيستحق شهادته الجليلة : ( وإبراهيم الذي وفى ) . . وهو مقام عظيم ذلك المقام الذي بلغه إبراهيم . مقام الوفاء والتوفية بشهادة الله عز وجل . والإنسان بضعفه وقصوره لا يوفي ولا يستقيم !
عندئذ استحق إبراهيم تلك البشرى . أو تلك الثقة :
( قال : إني جاعلك للناس إماما ) . .
إماما يتخذونه قدوة ، ويقودهم إلى الله ، ويقدمهم إلى الخير ، ويكونون له تبعا ، وتكون له فيهم قيادة .
عندئذ تدرك إبراهيم فطرة البشر : الرغبة في الامتداد عن طريق الذراري والأحفاد . ذلك الشعور الفطري العميق ، الذي أودعه الله فطرة البشر لتنمو الحياة وتمضي في طريقها المرسوم ، ويكمل اللاحق ما بدأه السابق ، وتتعاون الأجيال كلها وتتساوق . . ذلك الشعور الذي يحاول بعضهم تحطيمه أو تعويقه وتكبيله ؛ وهو مركوز في أصل الفطرة لتحقيق تلك الغاية البعيدة المدى . وعلى أساسه يقرر الإسلام شريعة الميراث ، تلبية لتلك الفطرة ، وتنشيطا لها لتعمل ، ولتبذل أقصى ما في طوقها من جهد . وما المحاولات التي تبذل لتحطيم هذه القاعدة إلا محاولة لتحطيم الفطرة البشرية في أساسها ؛ وإلا تكلف وقصر نظر واعتساف في معالجة بعض عيوب الأوضاع الاجتماعية المنحرفة . وكل علاج يصادم الفطرة لا يفلح ولا يصلح ولا يبقى . وهناك غيره من العلاج الذي يصلح الانحراف ولا يحطم الفطرة . ولكنه يحتاج إلى هدى وإيمان ، وإلى خبرة بالنفس البشرية أعمق ، وفكرة عن تكوينها أدق ، وإلى نظرة خالية من الأحقاد الوبيلة التي تنزع إلى التحطيم والتنكيل ، أكثر مما ترمي إلى البناء والإصلاح :
وجاءه الرد من ربه الذي ابتلاه واصطفاه ، يقرر القاعدة الكبرى التي أسلفنا . . إن الإمامة لمن يستحقونها بالعمل والشعور ، وبالصلاح والإيمان ، وليست وراثة أصلاب وأنساب . فالقربى ليست وشيجة لحم ودم ، إنما هي وشيجة دين وعقيدة . ودعوى القرابة والدم والجنس والقوم إن هي إلا دعوى الجاهلية ، التي تصطدم اصطداما أساسيا بالتصور الإيماني الصحيح :
( قال : لا ينال عهدي الظالمين ) . . .
والظلم أنواع وألوان : ظلم النفس بالشرك ، وظلم الناس بالبغي . . والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة : امامة الرسالة ، وإمامة الخلافة ، وإمامة الصلاة . . وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة . فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أية صورة من صورها . ومن ظلم - أي لون من الظلم - فقد جرد نفسه من حق الإمامة وأسقط حقه فيها ؛ بكل معنى من معانيها .
وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع فيتنحية اليهود عن القيادة والإمامة ، بما ظلموا ، وبما فسقوا ، وبما عتوا عن أمر الله ، وبما انحرفوا عن عقيدة جدهم إبراهيم . .
وهذا الذي قيل لإبراهيم - عليه السلام - وهذا العهد بصيغته التي لا التواء فيها ولا غموض قاطع كذلك في تنحية من يسمون أنفسهم المسلمين اليوم . بما ظلموا ، وبما فسقوا وبما بعدوا عن طريق الله ، وبما نبذوا من شريعته وراء ظهورهم . . ودعواهم الإسلام ، وهم ينحون شريعة الله ومنهجه عن الحياة ، دعوى كاذبة لا تقوم على أساس من عهد الله .
إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل . ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا أنبتت وشيجة العقيدة والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل . . وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته ، بل يفصل بين الوالد والولد ، والزوج والزوج إذا انقطع بينهما حبل العقيدة . فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر . ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة . والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء ، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر ، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة . . إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفادا . . إنما هي هؤلاء حين تجمعهم عقيدة واحدة . وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين . . إنما هي مجموعة من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم . . وهذا هو التصور الإيماني ، الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني ، في كتاب الله الكريم . .
ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جُلُّهم{[4834]} من ذرية إبراهيم عليه السلام{[4835]} وجميع{[4836]} طوائف الملل تعظمه{[4837]} ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيراً يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالماً قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء ، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم ، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى تعظيماً لأمره وتفخيماً لعلي قدره ؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به ، {[4838]}وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هزّ{[4839]} لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك .
وقال الحرالي : لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى : { يا أيها الناس } {[4840]}ذكر أمر آدم{[4841]} وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة{[4842]} في طرفين في اجتماعهم في أب{[4843]} واحد ولدين واحد{[4844]} نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم ، ليقع بذلك اجتماعهم أيضاً في أب واحد وملة واحدة اختصاصاً بتبعية الإمامة{[4845]} الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلاً للكتاب وترفيعاً للخلق إلى علو اختصاص الحق ، فكما{[4846]} ذكر تعالى في الابتداء تذكيراً معطوفاً على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم عطف أيضاً التذكير بابتداء أمر إبراهيم عليه السلام على أمور تجاوزها{[4847]} {[4848]}الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة من{[4849]} حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم } انتهى{[4850]} . و{[4851]}المعنى أنه عامله بالأمر{[4852]} بأمور شاقة{[4853]} معاملة المختبر الممتحن ، وقال : { ربه } أي المحسن {[4854]}إليه إشعاراً{[4855]} بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء قصته بقوله : { بكلمات فأتمهن } بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه و{[4856]}المبادرة لأمره{[4857]} دون اعتراض ولا توقف ولا بحث عن علة ، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا{[4858]} غاية التعنت{[4859]} مع ما في ذبحها من وجوه الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه وآخره فأورثهم ذلك نكالاً وبعداً ، فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، وأنهم المنعم عليهم ؛ والظاهر عطف { إذ } على { نعمتي } في قوله { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [ البقرة : 122 ] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به فما لكم أنتم{[4860]} لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين ، والإتمام التوفية لما له صورة تلتئم{[4861]} من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي .
فكأنه قيل : فما جوزي على شكره بالإتمام قبل ؟ { قال } له ربه ، ويجوز أن يكون " قال " بياناً لابتلى { إني جاعلك للناس } أي كافة { إماماً } كما كانت خلافة أبيه آدم لبنيه كافة ، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد - قاله الحرالي{[4862]} . واستأنف قوله : { قال } أي{[4863]} إبراهيم { ومن } أي واجعل من { ذريتي } أئمة { قال لا ينال } أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال { عهدي } {[4864]}الذي عهدته إليك{[4865]} بالإمامة { الظالمين } منهم ، لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين ؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد ، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته ، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد عنهم شيئاً ولا هم ينصرون ؛ والذرية مما{[4866]} يجمع{[4867]} معنى الذرّ والدرء ، والذريّ مختلف كونه على وجوه اشتقاقه ، فيكون فعلولة{[4868]} كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء{[4869]} ياء استثقالاً للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقاً{[4870]} لهما{[4871]} . لأنه اجتمع بعد القلب واو{[4872]} وياء {[4873]}سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ، أو{[4874]} تكون{[4875]} فعليّة{[4876]} من الذر منسوباً ، ومن الذر مخفف فعولة بقلب{[4877]} الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها سابقة إحداهما بالسكون ثم الإدغام ، أو فعيلة{[4878]} إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - قاله الحرالي{[4879]} ، وفيه تصرف .
قوله تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود } في هذه الآية تذكير لأهل الكتاب والمشركين والناس جميعا بمقام إبراهيم العظيم ، وهو مقام رفيع متميز بما حققه هذا النبي الكريم من عظيم الأعمال . لا جرم أن إبراهيم الخليل عليه صلوات الله كان إماما في الخير والبر والتقوى بما يعنيه ذلك من أوجه الصبر والثبات والجود والامتثال الكامل لأمر الله في أشق الأحوال وأحرجها وأحلكها . ومن أصدق ما يجيء به من حديث في الكشف عن حقيقة هذا النبي الفذ قول الله سبحانه : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين } وقوله سبحانه : { وإبراهيم الذي وفى } لقد وفّى إبراهيم عليه السلام كل ما أنيط بزه من الوجائب دون تقصير ، مع أنها وجائب كانت غاية في الصعوبة التي تنوء بحملها الجبال الرواسي ، لكن إبراهيم الخليل قد احتملها كلها صابرا ثابتا من غير أن يلين أو يتزعزع .
لقد امتحن الله إبراهيم عليه السلام { بكلمات فأتمهن } والمراد بالكلمات على وجه العموم مجموعة الأوامر والنواهي التي كُلف بها هذا الخليل العظيم عليه السلام . وهي أوامر ونواه لا جرم أنها ثقيلة وعسيرة وأن احتمالها والاقتدار عليها بثقل كاهل كل إنسان إلا أن يكون فريدا في نوعيته ومستواه ، أو أن يكون ذا عزم مكين لا يهون مهما اشتدت الخطوب أو تراكمت الأهوال والمحن .
أما حقيقة الكلمات على التفصيل والتي ابتلى الله بهن إبراهيم فهن موضع كلام طويل ومختلف للمفسرين . ولعل أصوب ما ورد في ذلك هو قول الحبر العظيم ابن عباس : الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن ، فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم ، ومحاجته نمروذا في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلاف ، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم ، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم ، وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله ، وما ابتُلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه ، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له : { أسلم قال أسلمت لرب العالمين } على ما كان من خلاف الناس وفراقهم .
هذا القول الجامع لابن عباس يكشف عن أمهات قواصم من التكليفات المزلزلة التي نيطت بإبراهيم عليه السلام ، فنجح فيها نجاحا يكشف عن حقيقة هذا الإنسان العظيم الفذ . الإنسان الذي عجمه الله بأفدح البلايا والشدائد ، فما لان ولا استكان ، بل مضى لأمر الله ملبيا حتى وفّى تمام الوفاء .
ويا لله لهذا الإنسان الوفي العظيم الذي يُقبل في استسلام لله وطواعية أن يُلقى في النار بعد أن وثقه قومه بالقيود والأغلال ، فظل صابرا محتسبا رابط الجأش فما تراجع ولا انثنى عن عقيدته ودينه ولا كرّ مهزوما في نفسه متقهقرا ليعود إليهم مستسلما معتذرا كما يفعل الضعفاء والمهزومين في الكروب وفي ساعات الضيق والعسرة .
ويا لله لإبراهيم الخليل وهو يوحَى إليه في المنام بذبحه ولده ! ! فما تلعثم ولا انثنى ، بل ، بل قص على ولده خبر الرؤيا ، فأجابه ولده في بر وطاعة وامتثال : ( يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) .
إن الكلمات لتعجز بالغ العجز عن إيضاح الصورة لهذا الحدث المثير الجلل . وهو حدث لا يقوى على طوقه واحتماله إلا من كان كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام .
إن أحدنا يشق عليه أن يضرب ولده في قسوة وتبريح حتى وهو يؤدبه ، فكيف به وهو يضع السكين على عنقه ثم يحزها حزا ليقطعها !
ذلك الذي لا تبلغه طاقات الإنسان مهما تجمع فيه من مذخور العزيمة وقوة الاحتمال ، لكن النبيين المرسلين صنف آخر من البشر المتميز الرفيع ، يرقون إلى عظيم الدرجات التي لا ينثنون عندها عن أي تكليف من ربهم ، وفي الطليعة من النبيين المرسلين هذا النبي الصابر الجليل إبراهيم الخليل .
قوله : { إني جاعلك للناس إماما } الإمام القدوة الذي يؤتم به ؛ لفضله ومزاياه الخاصة ، ولما أوتيه من خصائص في الثبات والاستقامة والطاعة والامتثال لأمر الله . وعلى ذلك فإنه عليه السلام جدير أن يجعله الله للناس جميعا إماما فيما بيناه ليقتدي به الآخرون في كل زمان ومكان .
قوله : { قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } طلب إبراهيم من ربه أن تكون الإمامة في ذريته من بعده ؛ فيكون النبيون جميعا من بعده من نسله . فأجابه الله سبحانه بأنه { لا ينال عهدي الظالمين } والظالمين مفعول به للفاعل { عهدي } والعهد بمعنى النبوة . وقيل : الأمر ، ويطلق العهد على الأمر أي لا ينبغي أن يلي الظالم من أمري شيئا . وقيل : العهد بمعنى الإمامة أو الاستخلاف . أي من كان ظالما من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة ، وإنما ينال الإمامة والاستخلاف من كان عادلا مبرأ من كل صور الظلم وعلى هذا ؛ فالإمام إنما يكون من أهل العدل والفضل والإحسان . أما أهل الفسوق والجور والفساد فليسوا أهلا لتولي إمامة المسلمين . وكيف يصلح لهذه المهمة العظيمة من كان جائرا فاسقا لا تقبل شهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة ؟ ! وإذا ابتلي المسلمون بإمام جائر فإن الصبر على طاعته أولى من الخروج عليه إن كان في منازعته والخروج عليه ما يثير الفتن والشر المستطير كإشاعة الفساد وإراقة الدماء وإغراق البلاد في الفوضى وخطر التدخل من الكافرين{[128]} .
وخلاصة القول في هذه العبارة الكريمة أن الله تفضّل بالاستجابة لطلب إبراهيم أن تكون الإمامة والنبوة في عقبه المؤمنين الصالحين على ألا يتولى أمر الله أحد من الظالمين من ذريته علما بأن في ذرية إبراهيم ظالمين كثيرين ، وأمثال هؤلاء ليس لهم أن يكون أحدهم إماما فإن الإمام ينبغي أن يكون مؤمنا صادقا ، وعلى ملى التوحيد والحنيفية ماضيا .