حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء ، وانكشف المستور ، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد :
( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ، ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد )
وإذا انصرف إلى العمل ، كانت وجهته الشر والفساد ، في قسوة وجفوة ولدد ، تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والأثمار ، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالإنسال . . وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد . . مما كان يستره بذلاقة اللسان ، ونعومة الدهان ، والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح . . ( والله لا يحب الفساد ) ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد . . والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس ؛ ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا ، فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر .
ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال{[9032]} عاطفاً على ما تقديره : فإذا واجهك{[9033]} اجتهد في إظهار أنه مصلح{[9034]} {[9035]}أو تكون جملة حالية{[9036]} { وإذا{[9037]} تولى } أي أعرض بقلبه{[9038]} أو قاله{[9039]} عمن خدعه بكلامه ، {[9040]}وكنى{[9041]} بالتعبير بالسعي عن{[9042]} الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال : { سعى }{[9043]} ونبه على{[9044]} كثرة فساده بقوله : { في الأرض } {[9045]}أي كلها{[9046]} بفعله وقوله عند من يوافقه { ليفسد } أي ليوقع الفساد {[9047]}وهو اسم لجميع المعاصي{[9048]} { فيها } أي في{[9049]} الأرض{[9050]} في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد ، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان {[9051]}وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً{[9052]} المحروث حرثاً{[9053]} مبالغة : { ويهلك الحرث } أي المحروث{[9054]} الذي يعيش به الحيوان ، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق ، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى . ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس { والنسل } أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان . قال الحرالي{[9055]} : وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى . وفعله ذلك للإفساد {[9056]}ونظمت{[9057]} الآية هكذا إفهاماً{[9058]} لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد{[9059]} ذات البين التوصل إلى الإهلاك{[9060]} وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد { والله } أي والحال أن{[9061]} الملك الأعظم { لا يحب الفساد * } أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه ، ولم يقل : الهلاك ، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون{[9062]} صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا{[9063]} قال{[9064]} : الإفساد{[9065]} يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد ، والآية من الاحتباك ، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه{[9066]} ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه {[9067]}أولاً ، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان .
قوله : ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ) هذا المنافق الخصيم أو المراوغ الكاذب المحتال ذو المنظر الحسن والسريرة الجاحدة إذا انطلق في الأرض مدبرا ، فإنه يسعى فيها حثيثا بالإيذاء والتخريب . ومن جملة إيذائه وتخريبه أمه يخرب الزرع والثمرات بتحريقها ، ويقتل الدواب والأنعام التي يعثر عليها حال توليه وسعيه . وهذا الصنف من الناس فاسد خبيث لا يستطيب غير التخريب والسعي في الأرض بالفساد . فهو الصنف من الناس فاسد خبيث لا يستطيب غير التخريب والسعي في الأرض بالفساد . فهو صنف حقير منبوذ بغيض إلى الله سبحانه ( والله لا يحب الفساد ) و ( الحرث ) معناه الولد ويراد به ما خرج من كل أنثى من ولد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.