هنا يلتفت السياق لفتة أخرى . فيخاطب النبي [ ص ] يكلفه أن يسأل بني إسرائيل - وهم نموذج التلكؤ في الاستجابة كما وصفتهم هذه السورة من قبل - : كم آتاهم الله من آية بينة ثم لم يستجيبوا ! وكيف بدلوا نعمة الله ، نعمة الإيمان والسلم ، من بعد ما جاءتهم :
( سل بني إسرائيل : كم آتيناهم من آية بينة ، ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) . .
والعودة هنا إلى بني إسرائيل عودة طبيعية ، فهنا تحذير من موقف بنو إسرائيل فيه أصلاء ! موقف التلكؤ دون الاستجابة ؛ وموقف النشوز وعدم الدخول في السلم كافة ؛ وموقف التعنت وسؤال الخوارق ، ثم الاستمرار في العناد والجحود . . وهذه هي مزالق الطريق التي يحذر الله الجماعة المسلمة منها ، كي تنجو من عاقبة بني إسرائيل المنكودة .
( سل بني إسرائيل : كم آتيناهم من آية بينة ) . .
والسؤال هنا قد لا يكون مقصورا على حقيقته . إنما هو أسلوب من أساليب البيان ، للتذكير بكثرة الآيات التي آتاها الله بني إسرائيل ، والخوارق التي أجراها لهم . . إما بسؤال منهم وتعنت ، وإما ابتداء من عند الله لحكمة حاضرة . . ثم ما كان منهم - على الرغم من كثرة الخوارق - من تردد وتلكؤ وتعنت ونكوص عن السلم الذي يظلل كنف الإيمان .
( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) . .
ونعمة الله المشار إليها هنا هي نعمة السلم . أو نعمة الإيمان . فهما مترادفان . والتحذير من تبديلها يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل ، وحرمانهم من السلم والطمأنينة والاستقرار ، منذ أن بدلوا نعمة الله ، وأبوا الطاعة الراضية ، والاستسلام لتوجيه الله . وكانوا دائما في موقف الشاك المتردد ، الذي يظل يطلب الدليل من الخارقة في كل خطوة وكل حركة ؛ ثم لا يؤمن بالمعجزة ، ولا يطمئن لنور الله وهداه ، والتهديد بشدة عقاب الله يجد مصداقه أولا في حال بني إسرائيل ، ويجد مصداقه أخيرا فيما ينتظر المبدلين للنعمة المتبطرين عليها في كل زمان .
وما بدلت البشرية هذه النعمة إلا أصابها العقاب الشديد في حياتها على الأرض قبل عقاب الآخرة . وها هي ذي البشرية المنكودة الطالع في أنحاء الأرض كلها تعاني العقاب الشديد ؛ وتجد الشقوة النكدة ؛ وتعاني القلق والحيرة ؛ ويأكل بعضها بعضا ؛ ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه ، ويطارها وتطارده بالأشباح المطلقة ، وبالخواء القاتل الذي يحاول المتحضرون أن يملأوه تارة بالمسكرات والمخدرات ، وتارة بالحركات الحائرة التي يخيل إليك معها أنهم هاربون تطاردهم الأشباح !
ونظرة إلى صورهم في الأوضاع العجيبة المتكلفة التي يظهرون بها : من مائلة برأسها ، إلى كاشفة عن صدرها ، إلى رافعة ذيلها ، إلى مبتدعة قبعة غريبة على هيئة حيوان ! إلى واضع رباط عنق رسم عليه تيتل أو فيل ! إلى لابس قميص تربعت عليه صورة أسد أو دب !
ونظرة إلى رقصاتهم المجنونة ، وأغانيهم المحمومة ، وأوضاعهم المتكلفة وأزيائهم الصارخة في بعض الحفلات والمناسبات ؛ ومحاولة لفت النظر بالشذوذ الصارخ ، أو ترضية المزاج بالتميز الفاضح . .
ونظرة إلى التنقل السريع المحموم بين الأهواء والأزواج والصداقات والأزياء بين فصل وفصل ، لا بل بين الصباح والمساء !
كل أولئك يكشف عن الحيرة القاتلة التي لا طمأنينة فيها ولا سلام . ويكشف عن حالة الملل الجاثم التي يفرون منها ، وعن حالة " الهروب " من أنفسهم الخاوية وأرواحهم الموحشة ، كالذي تطارده الجنة والأشباح .
وإن هو إلا عقاب الله ، لمن يحيد عن منهجه ، ولا يستمع لدعوته : ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) . .
وإن الإيمان الواثق لنعمة الله على عباده ، لا يبدلها مبدل حتى يحيق به ذلك العقاب . . والعياذ بالله .
ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور {[9228]}مجد الله{[9229]} في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور {[9230]}وقبة الزمان{[9231]} وما في ذلك {[9232]}على ما{[9233]} نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى : جواباً لمن كأنه{[9234]} قال : كيف يكون{[9235]} هذا ؟ { سل } {[9236]}بنقل حركة العين إلى{[9237]} الفاء فاستغنى عن همزة الوصل { بني إسرائيل } أي الذين هم أحسد {[9238]}الناس للعرب{[9239]} ثم استفهم أو استأنف الإخبار{[9240]} { كم آتيناهم } من ذلك ومن غيره { من آية بينة } {[9241]}بواسطة أنبيائهم{[9242]} فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك ، وسكوتهم على سماعه منك إقرار{[9243]} منهم . وقال الحرالي : ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه{[9244]} والنظائر على ما تقدم ووقع{[9245]} مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم في هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة{[9246]} فقال{[9247]} : { سل } ، استنطاقاً لحالهم{[9248]} لا {[9249]}لإنبائهم وإخبارهم{[9250]} ، فالتفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم{[9251]} وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا{[9252]} أن يسأل واحداً فيخبره{[9253]} ؛ انتهى - كذا قال ، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم{[9254]} فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم{[9255]} إلا عرفوا{[9256]} بالكذب ، كقصة{[9257]} حد الزنا وقضية سؤالهم{[9258]} عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا ، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة{[9259]} عليهم وغير هذا{[9260]} من الفوائد .
ولما كان التقدير : فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا{[9261]} عقابهم ، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه{[9262]} قوله : { ومن يبدل }{[9263]} من التبديل وهو تصيير{[9264]} الشيء على غير ما كان { نعمة الله } {[9265]}أي الذي لا نعمة إلا منه{[9266]} التي هي سبب الهدى فيجعلها{[9267]} سبباً لضلال أو سبباً لشكر{[9268]} فيجعلها سبب الكفر{[9269]} كائناً من كان . قال الحرالي{[9270]} : وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة{[9271]} التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى .
ولما كان الفطن{[9272]} من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه و{[9273]}الجامد الغبي{[9274]} يغتبط بها بعد سبوغها عليه {[9275]}وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت{[9276]} قال تعالى : { من بعد{[9277]} ما جآءته } أي وتمكن{[9278]} من الرسوخ في علمها{[9279]} تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد{[9280]} سفل{[9281]} عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان . ولما كان التقدير : يهلكه الله ، علله{[9282]} بقوله : { فإن الله } أي العظيم الشأن { شديد العقاب * } وهو عذاب يعقب{[9283]} الجرم{[9284]} ، و{[9285]}ذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى{[9286]} في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات ، قال في أوائل السفر الخامس{[9287]} من التوراة : فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا{[9288]} بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم ، لا تزيدوا{[9289]} على الوصية التي أوصيكم بها{[9290]} ، قد رأيتم ما صنع {[9291]}الله ببعلصفون{[9292]} من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم{[9293]} أحياء -{[9294]} سالمون إلى اليوم ، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا{[9295]} بها في الأرض التي تدخلونها وتحفظوها{[9296]} وتعملوا بها ، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها : ما أحكم هذا الشعب العظيم ! وما أحسن فهمه ! أي شعب عظيم إلهه{[9297]} قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه ! وأي شعب عظيم{[9298]} له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم ! ولكن احتفظوا{[9299]} واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل{[9300]} أيام حياتكم بل علموها بنيكم{[9301]} وبني بنيكم{[9302]} وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب{[9303]} يوم قال{[9304]} الرب : اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي و{[9305]}يتعلموا أن يتقوني{[9306]} كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل{[9307]} من النار ، كنتم تسمعون{[9308]} صوت الكلام ولم تكونوا{[9309]} ترون شبهاً ، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات{[9310]} .
وكتبها على لوحين{[9311]} من حجارة ، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا{[9312]} شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله{[9313]} ربكم من الجبل من النار ، احتفظوا{[9314]} ، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه{[9315]} بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض ، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء {[9316]}وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها ، التي اتخذها جميع{[9317]} الشعوب الذين{[9318]} تحت السماء ؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى :{ وإذ استسقى موسى لقومه{[9319]} }[ البقرة : 60 ] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله{[9320]} سبحانه وتعالى من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما{[9321]} يكون من الأحكام وفي الذروة{[9322]} العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل{[9323]} الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء{[9324]} رضي الله تعالى عنه قال :
" كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر ؛ فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن " وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه " أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس ، فسكت وسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فانصرف ؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم وقال : فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت{[9325]} حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت {[9326]}ينظر الناس{[9327]} إليها لا تتوارى منهم " .
قوله تعالى : ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينات ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) ( سل ) من السؤال وأصلها اسأل ، حذفت الهمزة وحركت السين فلا حاجة للألف فصارت سل . والفاعل ضمير يعود على المخاطب وهو الرسول ( ص ) ( بني ) مفعول به منصوب بالياء . ( إسرائيل ) مضاف إليه . ( كم ) في محل نصب مفعول به ثان مقدم للفعل آتينا . والضمير في آتيناهم في محل نصب مفعول به والميم للجمع . ( من آياته ) . ( من ) حرف جر زائد . ( آية ) تمييز .
وفي الآية إخبار عن كثرة البينات والدلائل التي أحسّها بنو إسرائيل على يدي نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام ، وذلك كتحول العصا إلى أفعى ، وانفلاق البحر بعد ضربه بالعصا ، ثم انبجاس الماء من الحجر الصلد بعد أن ضربه موسى بعصاه ، وكذلك تظليلهم بالغمام لوقايتهم من حر الصحراء ، وإطعامهم المن والسلوى رزقا كريما ميسورا . كل ذلك كان من جملة البراهين والآيات على صدق النبوة التي قدرها الله لكليمه موسى ، لكن ذلك لم يجد إلى أسماع بني إسرائيل أو طبائعهم وأذهانهم سبيلا ، بل صدوا عن سبيل الله ودينه صدودا وتولوا عن نداء العقل والحجة مدبرين . وذلك منهم بمثابة التبديل الأثيم لنعمة الله بالكفر والتمرد . ونعمة الله تتجلى في دينه الحق .
وقيل : المراد الإخبار عن كثرة البينات القاطعة على صدق نبوة محمد ( ص ) . فقد كانوا يتلون في كتابهم التوراة عن خبر هذا النبي الأمي وعن صفته فيعرفون عنه الخبر اليقين ، إلا أنهم ركبوا متن التعصب والحسد والشطط ، فما آمنوا ولا امتثلوا ، بل إنهم جحدوا وأنكروا هذه الحقيقة الجلية القاطعة الكبرى . وذلك هو التبديل لنعمة الله وهي الإسلام بالكفر حيث الجحود والزيغ واتباع الهوى والشهوات .
وليس من جزاء لمن يبدل نعمة الحق بالباطل إلا أن يبوء بإثمه الكبير لتكون عاقبته الهوان والتخسير ؛ لذلك قال : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) .