في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

204

( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه ، وهو ألد الخصام . وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد . وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم ، فحسبه جهنم ولبئس المهاد . . ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، والله رؤوف بالعباد ) . .

هذه اللمسات العجيبة من الريشة المبدعة في رسم ملامح النفوس ، تشي بذاتها بأن مصدر هذا القول المعجز ليس مصدرا بشريا على الإطلاق . فاللمسات البشرية لا تستوعب - في لمسات سريعة كهذه - أعمق خصائص النماذج الإنسانية ، بهذا الوضوح ، وبهذا الشمول .

إن كل كلمة أشبه بخط من خطوط الريشة في رسم الملامح وتحديد السمات . . وسرعان ما ينتفض النموذج المرسوم كائنا حيا ، مميز الشخصية . حتى لتكاد تشير بأصبعك إليه ، وتفرزه من ملايين الأشخاص ، وتقول : هذا هو الذي أراد إليه القرآن ! . . إنها عملية خلق أشبه بعملية الخلق التي تخرج كل لحظة من يد الباريء في عالم الأحياء !

هذا المخلوق الذي يتحدث ، فيصور لك نفسه خلاصة من الخير ، ومن الإخلاص ، ومن التجرد ، ومن الحب ، ومن الترفع ، ومن الرغبة في إفاضة الخير والبر والسعادة والطهارة على الناس . . هذا الذي يعجبك حديثه . تعجبك ذلاقة لسانه ، وتعجبك نبرة صوته ، ويعجبك حديثه عن الخير والبر والصلاح . . ( ويشهد الله على ما في قلبه ) . . زيادة في التأثير والإيحاء ، وتوكيدا للتجرد والإخلاص ، وإظهارا للتقوى وخشية الله . . ( وهو ألد الخصام ) ! تزدحم نفسه باللدد والخصومة ، فلا ظل فيها للود والسماحة ، ولا موضع فيها للحب والخير ، ولا مكان فيها للتجمل والإيثار .

هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه ، ويتنافر مظهره ومخبره . . هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب{[8988]} في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود{[8989]} فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط ، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّاً{[8990]} وتارة يكون معلناً وكان المحذور{[8991]} منها - {[8992]}إنما هو المسر{[8993]} لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر{[8994]} التقوى والحشر ليكون مصدوعاً بادىء بدء{[8995]} بذلك الأمر مقصوداً بالتهديد بالحشر وساقه بصيغة ما في أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك{[8996]} الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال : { ومن الناس من{[8997]} } أي شخص أو الذي{[8998]} { يعجبك }{[8999]} أي يروقك{[9000]} ويأخذ بمجامع قلبك{[9001]} أيها المخاطب { قوله } كما ذكرنا أول السورة أنه يخادع ، ويعجب{[9002]} من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء خارجاً عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة{[9003]} في صنعه - قاله الحرالي .

{[9004]}وقال الأصبهاني : حالة تغشى{[9005]} الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب ، وعن الراغب أنه قال : وليس هو شيئاً له في ذاته حالة{[9006]} بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب{[9007]} ومن لا يعرفه ، وحقيقة أعجبني كذا : ظهر{[9008]} لي ظهوراً لم{[9009]} أعرف سببه .

ولما كان{[9010]} ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو{[9011]} الإعجاب واقعاً في تلك الحالة قيده بقوله{[9012]} : { في } أي الكائن في { الحياة الدنيا{[9013]} } لا يزداد{[9014]} في طول مدته فيها إلا تحسيناً لقوله وتقبيحاً لما{[9015]} يخفى من فعله و {[9016]}{[9017]}أما في الآخرة{[9018]} فكلامه غير حسن ولا معجب{[9019]} { ويشهد الله } المستجمع لصفات الكمال { على ما في قلبه } أنه مطابق لما أظهره{[9020]} بلسانه { وهو } أي والحال أنه { ألدّ الخصام * } أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو يظهر أنه على الحسن الجميل ويوجه{[9021]} لكل شيء من خصامه وجهاً يصرفه عما أراد به من القباحة{[9022]} إلى{[9023]} الملاحة ، واللدد{[9024]} شدة الخصومة ، والخصام القول الذي يسمع{[9025]} المصيح{[9026]} و{[9027]}يولج في صماخه ما يكفه{[9028]} عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي{[9029]} . {[9030]}وقال الأصبهاني : هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل الخصام ألد على المبالغة - انتهى{[9031]} .


[8988]:زيد من م وظ ومد.
[8989]:في م: مغفور.
[8990]:في الأصل: مسوا، والتصحيح من م ومد وظ.
[8991]:في الأصل: المحدود، والتصحيح من م وظ ومد.
[8992]:من م ومد، وفي الأصل: بينها، وقد سقط من ظ.
[8993]:في الأصل: السر، والتصحيح من م ومد وظ.
[8994]:ليس في ظ.
[8995]:في ظ: بداء.
[8996]:في م وظ: يستحضرها تيك.
[8997]:ومناسبة هذه الآية لما قبلها هو انه لما قسم السائلين الله قبل إلى مقتصر على أمر الدنيا وسائل حسنة الدنيا والآخرة والوقاية من النار أتى بذكر النوعين هنا فذكر من النوع الأول من هو حلو المنطق مظهر الود وليس ظاهره كباطنه وعطف عليه من يقصد رضي الله تعالى ويبيع نفسه في طلبه، وقدم هنا الأول لأنه هناك المقدم في قوله: "فمنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا" وأحال هنا على إعجاب قوله دون غيره من الأوصاف لأن القول هو الظاهر منه اولا في قوله تعالى: "فمن الناس من يقول ربنا" فكان من حيث توجهه إلى الله تعالى في الدعاء ينبغي أن يكون لا يقتصر على الدنيا وغن سأل منه ينجيه من عذابه وكذلك هذا الثاني ينبغي أن لا يقتصر على حلاوة منطقه بل كان يطابق في سريرته لعلانيته – البحر المحيط 2 / 113.
[8998]:ليست في ظ.
[8999]:العبارة من هنا إلى "بمجامع قلبك" ليست في ظ.
[9000]:من م ومد وفي الأصل: يرزقك.
[9001]:العبارة من هنا إلى "اعرف سببه" سقطت من م.
[9002]:الإعجاب إفعال من العجب وأصله لما لم يكن مثله – قاله المفضل، وهو الاستحسان للشيء والميل إليه والتعظيم، تقول: أعجبني زيد، والهمزة فيه للتعدي. وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء وليس هو شيئا له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا أي ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه، انتهى كلامه – قاله أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 2 / 108.
[9003]:في الأصل: نذره، والتصحيح من مد وظ.
[9004]:العبارة من هنا إلى "اعرف سببه" ليست في ظ.
[9005]:من مد، وفي الأصل: تنسى – كذا.
[9006]:زيد من بحر المحيط قول الراغب.
[9007]:زيدت من مد.
[9008]:من مد وفي الأصل: اظهر.
[9009]:في الأصل ومد: لست، والتصحيح من البحر المحيط قول الراغب.
[9010]:زيد من م وظ ومد.
[9011]:من م ومد وظ، وفي الأصل: و.
[9012]:زيد في م: قوله.
[9013]:"في الحياة" متعلق بقوله أي "يعجبك" مقالته في معنى الدنيا لأن ادعائه المحبة والتبعية بالباطل يطلب به حظا من حظوظ الدنيا ولا يريد به الآخرة إذ لا تراد الآخرة إلا بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة – البحر المحيط 2 / 113.
[9014]:في ظ: لا يزاد.
[9015]:زيد في م: لا.
[9016]:زيد في م:لا
[9017]:العبارة من هنا إلى "ولا معجب" ليست في ظ
[9018]:ليست في ظ. وقال الزمخشري بعد أن ذكر هذا الوجه: ويجوز أن يتعلق بيعجبك أي قوله حلو فيصح في الدنيا فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة لما ترهقه في الموقف من الحبسة واللكنة أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه – انتهى، وفيه بعد والذي يظهر أنه متعلق بيعجبك لا على المعنى الذي قاله، والمعنى أنك تستحسن مقالته دائما في مدة حياته إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف فمقالته في الظاهر معجبة دائما، ألا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائقة إلى مقالة خشنة منافية ومع ذلك أفعاله منافية لأقواله الظاهرة وأقواله الباطلة مخالفة أيضا لأقواله الظاهرة إذ لا يجعل قوله "يعجبك قوله" وقوله: "وهو ألد الخصام" إلا على حالتين فهو حلو المقالة في الظاهر شديد الخصومة في الباطن – البحر المحيط 2 / 114.
[9019]:ليست في ظ. وقال الزمخشري بعد أن ذكر هذا الوجه: ويجوز أن يتعلق بيعجبك أي قوله حلو فيصح في الدنيا فهو يعجبك ولا يعجبك في الآخرة لما ترهقه في الموقف من الحبسة واللكنة أو لأنه لا يؤذن لهم في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه – انتهى، وفيه بعد والذي يظهر أنه متعلق بيعجبك لا على المعنى الذي قاله، والمعنى أنك تستحسن مقالته دائما في مدة حياته إذ لا يصدر منه من القول إلا ما هو معجب رائق لطيف فمقالته في الظاهر معجبة دائما، ألا تراه يعدل عن تلك المقالة الحسنة الرائقة إلى مقالة خشنة منافية ومع ذلك أفعاله منافية لأقواله الظاهرة وأقواله الباطلة مخالفة أيضا لأقواله الظاهرة إذ لا يجعل قوله "يعجبك قوله" وقوله: "وهو ألد الخصام" إلا على حالتين فهو حلو المقالة في الظاهر شديد الخصومة في الباطن – البحر المحيط 2 / 114.
[9020]:في ظ: أظهر.
[9021]:من م ومد وظ، وفي الأصل: موجه.
[9022]:من م ومد وظ، وموضعه بياض في الأصل.
[9023]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أي.
[9024]:واللدد شدة الخصومة، يقال: لددت لدودا ولدادة ورجل ألد وامرأة لداء ورجال ونساء لد ورجل التد ويلتد أيضا شديد الخصومة، وغذا غلب خصمه قيل: لده يلده – متعديا وقال الراجز: يلد أقران الرجال اللدد. زاشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتان – قاله الزجاج، وقيل: من لديدي الوادي هما جانباه، سميا بذلك لاعوجاجهما، وقيل: هو من لده حبسه، فكانه يحبس خصمه عن مفاوضته ومقاومته.
[9025]:من ظ ومد، وفي الأصل: سمع، وفي م: يتم.
[9026]:هكذا في الأصل، وفي م ومد وظ: المصيخ.
[9027]:زيد في م: يلج.
[9028]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يكفيه.
[9029]:وقال الأندلسي: والأصل في الخصومة التعميق في البحث عن الشيء ولذلك قيل في زوايا الأوعية: خصوم، الواحد خصم – البحر المحيط 2 / 108.
[9030]:ليست في ظ.
[9031]:ليست في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ} (204)

قوله تعالى : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهام ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد ) .

ورد في سبب نزول هذه الآية أن الأخنس بن شريق الثقفي جاء إلى رسول الله ( ص ) فأظهر له الإسلام وهو يخفي في نفسه الكفر والخداع وقال : والله يعلم أنني صادق . وبعد أن انصرف من مكانه مرّ في طريقه بزرع للمسلمين وبحُمُرٍ فأحرق الزرع وعقر الحمر ، فأنزل الله فيه ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا . . )

وقيل : إنها نزلت في المنافقين الذين عابوا نفرا من الصحابة استشهدوا في الرجيع ، وقالوا فيهم : ويح هؤلاء القوم ، لا هم قاعدون في بيوتهم ، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم .

ومع أننا لا ننكر مثل هذا السبب الخاص لنزول الآية إلا أننا نعوّل في هذا الصدد على القاعدة الأصولية التي تذهب إلى أن العبرة في عموم اللفظ لا في خصوص السبب . وعلى هذا فإن الآية يصدق بسطها على كل من يخفي في نفسه كفرا أو نفاقا وهو يظهر من حلاوة اللسان ومعسول القول خلاف ذلك . فالآية بذلك عامة تتناول كل مظاهر النفاق الذي يستتر به الخداعون والكذابون من الناس .

والمعنى للآية أن فريقا من الناس يطوي في صدره الكذب والخداع ، سواء كان كافرا أو مسلما ثم يتظاهر أمام الناس بلبوس من الخلق المصطنع يعجب الناظرين . وهو مع ذلك ( ويشهد الله على ما في قلبه ) أي يقول للناس ليصدقوه : الله يعلم أو يشهد أنني صادق ، لكن الحقيقة أن الله يعلم أنه ألدّ الخصام ، والألدّ من الفعل لدّ يلدّ ، أي اشتدت خصومته ، والمصدر لدَد . نقول : لدّ الرجل خصمه لدّا أي شدد خصومته . ولدود مبالغة ومعناه خصيم ، شديد الخصومة .

أما الخصام فهو مصدر خاصم . نقول خاص يخاصم خصاما . وقيل : جمع ومفرده خصم وهو الشديد الجدال في ظاهر حسن وباطن خبيث{[285]} .


[285]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 39 والقاموس المحيط جـ 4 ص 108.