ثم يمضي مستطردا يعرض مشهدا آخر من مشاهد الساعة التي كذب بها المكذبون . مشهد أولئك المشركين ، وقد حشروا مع آلهتم التي كانوا يزعمون ، ووقف الجميع عبادا ومعبودين أمام الديان يسألون ويجيبون !
( ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ، فيقول : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ، أم هم ضلوا السبيل ? قالوا : سبحانك ! ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء . ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر ، وكانوا قوما بورا . . فقد كذبوكم بما تقولون ، فما تستطيعون صرفا ولا نصرا . ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) . .
وما يعبدون من دون الله قد يكونون هم الأصنام . وقد يكونون هم الملائكة والجن ، وكل معبود من دون الله . وإن الله ليعلم . ولكن الاستجواب هكذا في الساحة الكبرى ، وهم محشورون أجمعين ، فيه تشهير وتأنيب ، وهو ذاته عذاب مرهوب ! والجواب هو الإنابة من هؤلاء " الآلهة " ! الإنابة لله الواحد القهار . وتنزيهه عن ذلك الافتراء ، والتبرؤ لا من ادعاء الألوهية ، ولكن من مجرد أن يتخذوا لهم أولياء من دون الله ، والزراية على أولئك الجاحدين الجهال :
ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه ، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه ، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة : { ويوم } أي قل لهم ما أمرتك به ، واذكر لهم يوم { نحشرهم } أي المشركين ، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم ، من القبور ؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب { وما يعبدون } أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل ؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله : { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ، وذكرها بلفظ " ما " إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال ، مع أن " ما " موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء ، وعبر سبحانه بقوله : { فيقول } بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في " نحشر " في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة ، تحقيقاً للمراد وتصريحاً به ، وإعلاماً بأن المراد بالنون العظمة لا الجمع ، وقرأ ابن عامر بالنون موحداً الأسلوب : { أنتم } أي أيها المعبودات ! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالاً عن المضل ، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه { أضللتم } بالقهر والخداع والمكر { عبادي هؤلاء } حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى ( ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }[ سبأ : 40 ] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي : " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين " { أم } .
ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل ، كان لا بد من قوله : { هم } أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر { ضلوا } وأوصل الفعل بدون " عن " كما في هداة الطريق بدون " إلى " لكثرة الدور ، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال : { السبيل* } أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة
قوله تعالى : { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ( 17 ) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ( 18 ) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ( 19 ) } أي واذكر حين يجمع الله ليوم الحشر الظالمين الذين عبدوا آلهة من دون الله ، ويحشر معهم معبوديهم في الدنيا وهم الملائكة وعزير والمسيح . وقيل : يحشر جميع المعبودين من العقلاء وغير العقلاء كالأصنام ؛ إذ ينطقها الله يوم القيامة . والمعنى الأول أظهر .
قوله : ( فيقول أأنتم أظللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) ( هؤلاء ) نعت لعبادي . أو بدل{[3308]} . أي يسأل الله المعبودين من الملائكة والإنس على سبيل التبكيت للعبدة المشركين ، وزيادة لهم في التحسر : أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال حتى زاغوا عن صراطي بما فتنتموهم به من أسباب الغواية والتضليل والفتنة ، أم أنهم ضلوا عن صراطي من تلقاء أنفسهم ؟
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.