في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

95

( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر . قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) . .

تتمة لمشهد الفلك الدائر بشمسه وقمره ونجومه . تتمة لعرض المشهد الكوني الهائل الرائع مرتبطا بحياة البشر ومصالحهم واهتماماتهم :

( لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) . .

متاهات البر والبحر ظلمات يهتدي فيها البشر بالنجوم . . كانوا كذلك وما يزالون . . تختلف وسائل الاهتداء بالنجوم ويتسع مداها بالكشوف العلمية والتجارب المنوعة . . وتبقى القاعدة ثابتة : قاعدة الاهتداء بهذه الأجرام في ظلمات البر والبحر . . سواء في ذلك الظلمات الحسية أو ظلمات التصور والفكر . ويبقى النص القرآني الجامع يخاطب البشرية في مدارجها الأولى بهذه الحقيقة ، فتجد مصداقها في واقع حياتها الذي تزاوله . ويخاطبها بها وقد فتح عليها ما أراد أن يفتح من الأسرار في الأنفس والآفاق . فتجدها كذلك مصداق قوله في واقع حياتها الذي تزاوله .

وتبقى مزية المنهج القرآني في مخاطبة الفطرة بالحقائق الكونية ، لا في صورة " نظرية " ولكن في صورة " واقعية " . . صورة تتجلى من ورائها يد المبدع ، وتقديره ، ورحمته ، وتدبيره . صورة مؤثرة في العقل والقلب ، موحية للبصيرة والوعي ، دافعة إلى التدبر والتذكر ، وإلى استخدام العلم والمعرفة للوصول إلى الحقيقة الكبرى المتناسقة . . لذلك يعقب على آية النجوم التي جعلها الله للناس ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر هذا التعقيب الموحي :

( قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) . .

فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها . . كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم . . فالاهتداء - كما قلنا - هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية ، وفي ظلمات العقل والضمير . . والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي ، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها ، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى ؛ وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه ، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

ولما ذكر ذلك ، أتبعه منفعة أخرى تعمهما مع غيرهما مبيناً ما أذن فيه من علم النجوم ومنافعها فقال : { وهو } أي لا غيره { الذي جعل } ولما كانت العناية بنا{[30545]} أعظم ، قدم قوله : { لكم النجوم } أي كلها سائرها وثابتها وإن كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن الرسوخ والبلوغ في علم السير{[30546]} للسيارة منها { لتهتدوا } أي لتكلفوا أنفسكم علم الهداية { بها } لتعلموا القبلة وأوقات الصلوات{[30547]} والصيام وغير ذلك من منافعكم دنيا وديناً .

ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا الظلمة ، وانضمت إلى ذلك ظلمة الليل ، قال : { في ظلمات البر } أي الذي لا عَلَم فيه ، وإن كانت له أعلام فإنها قد تخفى { والبحر } فإنه لا عَلَم به ، والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه الملبَّس من الطرق وغيرها بالظلمة ؛ روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تعلموا من النجوم ما تهتدون{[30548]} في البر والبحر ثم انتهوا ، وتعلموا من الأنساب{[30549]} ما تصلون به{[30550]} أرحامكم وتعرفون ما يحل لكم{[30551]} ويحرم عليكم من النساء ثم انتهوا . وفيه من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على المسند عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا علي ! أسبغ الوضوء وإن شق عليك ، ولا تأكل الصدقة ولا تنز{[30552]} الحمير على الخيل{[30553]} ، ولا تجالس أصحاب النجوم " وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تسألوا عن النجوم ، ولا تفسروا القرآن برأيكم ، ولا تسبوا أصحابي ، فإن ذلك الإيمان المحض " وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر في النجوم - رواه من طرق كثيرة ؛ و{[30554]} عن عائشة رضي الله تعالى عنها مثله سواء ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا " - رواه من طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى

{ وأنهاراً وسبلاً{[30555]} }[ النحل : 15 ] قال : طرقاً{ وعلامات{[30556]} }[ النحل : 16 ] قال : هي النجوم ، قال : إن الله عز وجل إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال : جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدى بها ، وجعلها رجوماً للشياطين ، فمن تعاطى فيها شيئاً{[30557]} غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له{[30558]} به - في كلام طويل حسن ، وهذا الأثر الذي عن قتادة أخرجه عنه البخاري{[30559]} في صحيحه{[30560]} ، وقال{[30561]} صاحب كنز اليواقيت في استيعاب{[30562]} المواقيت في مقدمة الكتاب : واعلم أن العلم منه محمود ، ومنه مذموم لا يذم لعينه ، إنما يذم في حق العباد لأسباب ثلاثة : أولها أن يكون مؤدياً إلى ضرر كعلم السحر والطلسمات وهو حق{[30563]} إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة بين الزوجين ، وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه ، حتى أخبره{[30564]} جبرئيل عليه السلام وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث الصحيح ؛ ومعرفة ذلك من حيث إنه معرفة ليس مذموماً ، {[30565]} أو من حيث إنه لا يصلح إلا لإضرار بالخلق يكون مذموماً . {[30566]}

والوسيلة إلى الشر شر ؛ الثاني أن يكون مضراً بصاحبه في غالب الأمر كالقسم الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل به{[30567]} على الحوادث بالأسباب كاستدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض ، وهو معرفة مجاري سنة الله وعادته في خلقه ، ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه لثلاثة أوجه : أحدها أنه{[30568]} يضر بأكثر الناس فإنه إذا قيل : هذا الأمر لسبب سير الكواكب ، {[30569]} وقر في نفس الضعيف{[30570]} العقل أنه مؤثر ، فينمحي ذكر الله عن قلبه ، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط بخلاف العالم الراسخ ، فإنه يطلع على أن{[30571]} الشمس والقمر والنجوم مسخرات ، وفرق كبير بين من يقف مع الأسباب وبين من يترقى إلى مسبب الأسباب ، ثم{[30572]} ذكر ما{[30573]} حاصله أن السبب الثاني في النهي عنه أنه تخمين{[30574]} لا يصل إلى القطع ؛ والثالث أنه لا فائدة فيه ، فهو خوض في فضول ، وأن السبب الثالث مما يذم{[30575]} به ما يذم{[30576]} من العلوم أنه مما لا تبلغه{[30577]} عقول أكثر الناس ولا يستقل به ، ولا ينكر كون العلم ضاراً لبعض الأشخاص كما يضر لحم الطير بالرضيع - انتهى . وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " {[30578]} وقال صاحب كتاب الزينة في آخر كتابه بعد أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما ، ويأتي أكثره عنه في سورة الصافات : وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إياكم والنجوم ! فإنها تدعو إلى الكهانة " ، قال : هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح ، فمنها ما كانت من علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك ، ولولا الأنبياء الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج{[30579]} وما لها من السير في استقامتها ورجوعها ، وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه ، لما قدر الناس على إدراكه ، وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائه عليهم السلام ، وقد روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم ، وروي في الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء ، ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ولا عرفوها .

ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حداً{[30580]} علا عن طوق الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن ، فكانت فخراً يتوقع فيه التنبيه عليه فقال{[30581]} : { قد فصلنا } أي بينا بياناً شافياً على ما لنا من العظمة { الآيات } واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال الرفيع ؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير{[30582]} تأمل قال : { لقوم يعلمون * } أي لهم قيام فيما إليهم ، ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها بالشاهد على الغائب .


[30545]:زيد من ظ.
[30546]:في ظ: التسير.
[30547]:من ظ، وفي الأصل: الصلاة.
[30548]:من ظ وروح المعاني 2/537، وفي الأصل: يهتدون.
[30549]:في ظ: الأسباب.
[30550]:في ظ: إليه.
[30551]:سقط من ظ.
[30552]:من مسند الإمام أحمد 1/78، وفي الأصل: لا تثر، وفي ظ: لا سر- كذا.
[30553]:من ظ والمسند، وفي الأصل: الخليل.
[30554]:سقط من ظ.
[30555]:سورة 16 آية 15.
[30556]:سورة 16 آية 16.
[30557]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30558]:من ظ وصحيح البخاري- بدء الخلق، وفي الأصل: لنا.
[30559]:زيد بعده في ظ: عنه، ولا يناسب السياق فحذفناها.
[30560]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30561]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[30562]:من ظ، وفي الأصل: التبعات- كذا.
[30563]:في ظ: أحق.
[30564]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[30565]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30566]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30567]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30568]:من ظ، وفي الأصل: ان.
[30569]:في ظ: وقع الضعف- كذا.
[30570]:في ظ: وقع الضعف- كذا.
[30571]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30572]:من ظ، وفي الأصل: ذكره.
[30573]:من ظ، وفي الأصل: ذكره.
[30574]:من ظ، وفي الأصل: تحميق- كذا.
[30575]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30576]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[30577]:من ظ، وفي الأصل: لا يتلفه- كذا.
[30578]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30579]:في ظ: البرزخ- كذا.
[30580]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ: فحذفناها.
[30581]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30582]:في ظ: كبير.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (97)

قوله : { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } جعل بمعنى خلق وصير . أي خلق الله النجوم وصيرها لكم أدلة في البر والبحر إذا ضللتم الطريق أو لم تهتدوا فيهما ليلا . إذ تستدلون بها { النجوم } على المحجة والمعالم لتهتدوا وتنجوا بها من الظلمات . سواء في ذلك ظلمة الليل أو ظلمة البحر أو ظلمة الأرض أو ظلمة الضلال .

قوله : { قد فصلنا الأيات لقوم يعلمون } أي بينا الأدلة والحجج والعلامات الدالة على عظيم قدرته وصنعه بيانا مفصلا ليتفكر فيها ويتدبرها أولو العلم والحجا منكم عسى أن ينيبوا إلى ربهم وينزجروا عن عصيانه ومخالفة أمره{[1229]} .


[1229]:- تفسير الطبري ج 7 ص 187- 190 وروح المعاني ج 7 ص 230- 234 وفتح القدير ج 2 ص 143- 145.