ثم يمضي السياق يندد بمنكري النبوات والرسالات ، ويصمهم بأنهم لا يقدرون الله قدره ، ولا يعرفون حكمة الله ورحمته وعدله . ويقرر أن الرسالة الأخيرة إنما تجري على سنة الرسالات قبلها ؛ وأن الكتاب الأخير مصدق لما بين يديه من الكتب . . مما يتفق مع ظل الموكب الذي سبق عرضه ويتناسق :
( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء . قل : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ؟ قل : الله . ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ، ولتنذر أم القرى ومن حولها ، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به ، وهم على صلاتهم يحافظون ) . .
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون : إن الله لم يرسل رسولا من البشر ؛ ولم ينزل كتابا يوحي به إلى بشر . بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود ؛ ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب ، ولا أن الله أنزل التوارة على موسى - عليه السلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج ، ليكذبوا برسالة محمد [ ص ] لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ؛ كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل :
( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ) . .
وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم ، يقوله أمثالهم في كل زمان ؛ ومنهم الذين يقولونه الآن ؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر ؛ وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم . لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم ، كالوثنيات كلها قديما وحديثا ، ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم ، ولكنها تظل خارج دين الله كله . وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله ، وهي ثابتة على أصولها الأولى ؛ جاء بها كل رسول ؛ فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة ؛ ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها ، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد ، بذات الدين الواحد الموصول .
وهذا القول يقوله - قديما أو حديثا - من لا يقدر الله حق قدره ؛ ومن لا يعرف كرم الله وفضله ، ورحمته وعدله . . إنهم يقولون : إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة ! كما كان العرب يقولون . أو يقولون : إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعني بالإنسان " الضئيل " في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض ! بحيث يرسل له الرسل ؛ وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير ! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث ! أو يقولون : إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل . . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين ! كما يقول الماديون الملحدون !
وكله جهل بقدر الله - سبحانه - فالله الكريم العظيم العادل الرحيم ، العليم الحكيم . . . لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده ، وهو خلقه ، وهو يعلم سره وجهره ، وطاقاته وقواه ، ونقصه وضعفه ، وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره ، وأقواله وأعماله ، وأوضاعه ونظامه ، ليرى إن كانت صوابا وصلاحا ، أو كانت خطأ وفسادا . . ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له ، يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته ، فضلا على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله ، وليس موكلا بتصور الوجود تصورا مطلقا ، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة . فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله ؛ فتنشىء له تصورا سليما للوجود والحياة . . ومن ثم لا يكله الله إلى هذا العقل وحده ، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة لدنية بربها الحق ، وشوق إليه ، وليأذ به في الشدائد . . فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية ، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس ، بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير . . إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه ، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها ، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها ، وليجلو عنهم غاشية التضليل من داخل أنفسهم ومن خارجها . . وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله ، ورحمته وعدله ، وحكمته وعلمه . . فما كان ليخلق البشر ، ثم يتركهم سدى . . ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا ) . . فتقدير الله حق قدره يقتضي الاعتقاد بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام ، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط ، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق . وأنه أوحى إلى هؤلاء الرسل منهج الدعوة إلى الله ، وأنزل على بعضهم كتبا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين - ككتب موسى وداود وعيسى - أو تبقي إلى آخر الزمان كهذا القرآن .
ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة ، وكان أهل الكتاب معروفين هناك ، فقد أمر الله رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي ؛ بتلك الحقيقة :
( قل : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) . .
وقد عرضنا في تقديم السورة للقول بأن هذه الآية مدنية ، وأن المخاطبين بها هم اليهود . ثم ذكرنا هناك ما اختاره ابن جرير الطبري من القراءة الأخرى ( يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا ) . . وأن المخاطبين بها هم المشركون ، وهذا خبر عن اليهود بما كان واقعا منهم من جعل التوراة في صحائف يتلاعبون بها ،
فيبدون منها للناس ما يتفق مع خطتهم في التضليل والخداع ، والتلاعب بالاحكام والفرائض ؛ ويخفون ما لا يتفق مع هذه الخطة من صحائف التوراة ! مما كان العرب يعلمون بعضه وما أخبرهم الله به في هذا القرآن من فعل اليهود . . فهذا خبر عن اليهود معترض في سياق الآية لا خطابا لهم . . والآية على هذا مكية لا مدنية . . ونحن نختار ما اختاره ابن جرير .
فقل لهم يا محمد : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ، مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكرية ! كذلك واجههم بأن الله علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعملون ؛ فكان حقا عليهم أن يشكروا فضل الله ؛ ولا ينكروا أصله بإنكار أن الله نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه .
ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال . إنما أمر رسول الله [ ص ] أن يحسم القول معهم في هذا الشأن ؛ وألا يجعله مجالا لجدل لا يثيره إلا اللجاج :
( قل : الله . ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) . .
قل : الله أنزله . . ثم لا تحفل جدالهم ولجاجهم ومراءهم ، ودعهم يخوضون لاهين لاعبين . وفي هذا من التهديد ، قدر ما فيه من الاستهانة ، قدر ما فيه من الحق والجد ؛ فحين يبلغ العبث أن يقول الناس مثل ذلك الكلام ، يحسن احترام القول وحسم الجدل وتوفير الكلام !
ولما حصر{[30364]} الدعاء في الذكرى ، وكان ذلك نفعاً{[30365]} لهم ورفقاً بهم ، لا تزيد{[30366]} طاعتهم في ملك الله شيئاً ولا ينقص إعراضُهم من عظمته شيئاً ، لأن كل ذلك بإرادته ؛ بني حالاً منهم ، فقال تأكيداً لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاماً لهم{[30367]} بما هم معترفون به ، أما أهل الكتاب فعلماً قطعياً ، وأما العرب فتقليداً لهم ولأنهم سلموا لهم العلمَ وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد صلى الله عليه وسلم : { وما } أي فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما { قدروا } أي عظموا { الله } أي المستجمع لصفات الكمال { حق قدره } أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر له ؛ قال الواحدي : يقال قدر{[30368]} الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره - يقدره - بالضم - قدراً ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
" فإن غم عليكم فاقدروا له{[30369]} " ، أي فاطلبوا{[30370]} أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة ، ثم قيل لمن عرف شيئاً : هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته{[30371]} : إنه لا{[30372]} يقدر قدره { إذ } أي حين { قالوا } أي اليهود ، والآية مدنية وقريش{[30373]} في قبولهم لقولهم ، ويمكن أن تكون مكية ، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه وسلم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام وإنزال التوراة عليه { ما أنزل الله } أي{[30374]} ناسين{[30375]} ما له من صفات الكمال{[30376]} { على بشر من شيء } لأن{[30377]} من نسب{[30378]} مَلِكاً تام الملك إلى أنه لم يُثبِت أوامره في{[30379]} رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه ، فقد نسبه إلى نقص عظيم ، فكيف إذا كانت تلك النسبة كذباً ! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب الذين هم بعض العالمين ، أسند إلى الكل ، لأنهم لم يردوا على قائله ولم يعاجلوه بالأخذ تفظيعاً{[30380]} للشأن وتهويلاً للأمر ، وبياناً لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها{[30381]} ، فإذا تحققه فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل{[30382]} إليه قدرته ، كما أنه كذلك كان يفعل لو كان ذلك ناشئاً عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره{[30383]} به من أبناء الدنيا ، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الأمور كلها ، من فرّط فيه هلك وأهلك ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فأنزل الله تعالى - يعني هذه الآية ، فقال مشيراً إلى أن اليهود قائلو ذلك ، وملزماً بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب ، موبخاً لهم ناعياً عليهم سوء جهلهم{[30384]} وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم : { قل } أي لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخاً لهم وتوقيفاً على موضع جهلهم { من أنزل الكتاب } أي الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا والآخرة { الذي جاء به موسى } أي الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه ، حال كون ذلك الكتاب { نوراً } أي ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء{[30385]} في حاقّ موضعه { وهدى للناس } أي ذا هدى لهم كلهم ، أما في ذلك{[30386]} الزمان فبالتقيد به ، وأما عند إنزال الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من اتباعه ، وكذا عند إنزال القرآن ، فقد بان أنه هدى في كل زمان تارة بالدعاء إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره ؛ ثم بين أنهم اخفوا منه ما هو نص وصريح في الدعاء إلى غيره{[30387]} اتباعاً منهم للهوى ولزوماً للعمى فقال : { تجعلونه } أي أيها اليهود { قراطيس } اي أوراقاً مفرقة{[30388]} لتتمكنوا{[30389]} بها من إخفاء ما أردتم { تبدونها } أي تظهرونها للناس { وتخفون كثيراً } أي منها ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية ، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير{[30390]} إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله ! ثم التفت إليهم للزيادة في تبكيتهم إعلاماً بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل الفطرة ، بل العرب أزكى منهم وأصح أفهاماً ، فلولا ما أتاهم به موسى عليه السلام ما فاقوهم بفهم ، ولا زادوا عليهم في علم ، فقال : { وعلمتم } أي أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى { ما لم تعلموا أنتم } أي{[30391]} أيها اليهود من أهل هذا الزمان { ولا{[30392]} آباؤكم } أي الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم .
ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم ، قال مشيراً إلى عنادهم : { قل } أي أنت في الجواب عن هذا السؤال{[30393]} غير منتظر{[30394]} لجوابهم فإنهم أجلف الناس وأعتاهم { الله } أي الذي أنزل ذلك الكتاب { ثم } بعد{[30395]} أن تقول{[30396]} ذلك لا تسمع لهم شيئاً بل { ذرهم في خوضهم } أي قولهم وفعلهم المثبتين{[30397]} على الجهل المبنيين على أنهم{[30398]} في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون { يلعبون * } أي يفعلون فعل{[30399]} اللاعب ، وهو ما لا يجر لهم نفعاً ولا يدفع عنهم ضراً مع تضييع الزمان .
قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ( 91 ) وهذا كتب أنزلناه مبرك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحفظون } قال ابن عباس : قالت اليهود : يا محمد أنزل الله عليك كتابا ؟ قال : " نعم " قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتابا فنزلت الآية . وقيل : نزلت في مشركي قريش{[1214]} .
قوله : { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه . أو ما عرفوه حق معرفته .
قوله : { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } هذا إنكار من هؤلاء الكافرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب السماوية . وذلكم الكفر الصارخ والجحود الظالم الفاجر . والجمهور من أهل العلم على أن المقصود هنا اليهود . وهم يبتغون بذلك الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتشكيك في رسالة الإسلام .
قوله : { قل من أنزل الكتب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } نورا منصوب على الحال . وهدى معطوف عليه ، أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين الذين ينكرون إرسال الرسالات البتة : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى { نورا } أي ضياء يبدد ظلمه الباطل ويبين للناس وجه الحق من الباطل فيما أشكل عليهم من أمر دينهم . ذلك أن الله أنزل التوراة على موسى ولا سبيل لجاحد معاند أن ينكر ذلك . فلم لا يصدقون إنزال القرآن على رسول الله محمد مثلما أقروا موقنين بنزول التوراة على موسى . لكنه الحسد والحماقة ومرض القلب والعقل ، كل أولئك يحول بين هؤلاء السفهاء الأشرار وبين التصديق بالقرآن الحكيم ونبيه المصطفى العظيم .
قوله : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } قراطيس منصوب بالفعل تجعلونه{[1215]} والجملة استئنافية لا محل لها من الإعراب وقد سيقت لنعي ما فعلته يهود من تحريف التوراة وتغييرها . وقيل : في موضع نصب على الحال . أي تضعونه في قراطيس مقطعة وأوراق مفرقة مبعثرة . وذلك توبيخ لهم على سوء صنيعهم ، إذ أخرجوا التوراة من جنس الكتاب لينزلوه منزلة القراطيس المفرقة .
على أن التوبيخ هنا ليس لمجرد وضعهم التوراة في قراطيس ، فكل كتاب موجود في القراطيس بل التوبيخ من أجل جعلهم التوراة في القراطيس موصوفة بقوله تعالى : { تبدونها وتخفون كثيرا } أي تظهرون كثيرا مما تكتبونه في القراطيس للناس وتخفون كثيرا مما تثبتونه فيها فتسرونه وتكتمونه عن الناس . ومن جملة ما كتموه عن الناس خبر الرسول صلى الله عليه وسلم ونبوته . والمراد بهم هنا اليهود لا محالة فقد أظهروا من التوراة ما أظهروه ، وأخفوا كثيرا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم . وبذلك فإن موضع الذم هنا أنهم لما جعلوا التوراة قراطيس فرقوه تفريقا وبعضوه تبعيضا فقدروا بذلك على إظهار بعضه وإخفاء بعضه الآخر الذي فيه صفة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
قوله : { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } الخطاب لليهود ، إذ من الله عليهم . أي أنكم علمتم ما لم تكونوا تعلمونه من قبل لا أنتم ولا آباؤكم . والذي علموه هو الذي أخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى الله إليه به . فقد اشتمل ذلك على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه آباؤهم من قبل .
وقيل : المراد التوراة . كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم . وقد كان اليهود قبل مقدم الرسول يقرأون تلك الآيات وما كانوا يفهمون معانيها فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أظهر أن المراد من تلك الآيات هو مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم . وذلك هو تعلمهم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم .
قوله : { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } هذا جواب السؤال للمشركين لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤالهم { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } والجواب هو قوله : { قل الله } أي الله تعالى أنزله . ولفظ الجلالة مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره الله تعالى أنزله . أو لفظ الجلاله فاعل وفعله مقدر .
قوله : { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } أي دعهم في باطلهم وكفرهم بآيات الله يستهزئون ويسخرون ويلعبون . ولا جرم أن ذلك من الله وعيد مخوف يتهدد به هؤلاء الفاسقين الغلاظ . فهو سبحانه لهم بالمرصاد وهو آخذهم أخذ عزيز مقتدر .