في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

95

( إن الله فالق الحب والنوى ، يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي . ذلكم الله فأنى تؤفكون ؟ ) . .

إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد ؛ فضلا على أن يملك صنعها أحد ! معجزة الحياة نشأة وحركة . . وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية ، وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة . والحياة الكامنة في الحبة والنواة ، النامية في النبتة والشجرة ، سر مكنون ، لا يعلم حقيقته إلا الله ؛ ولا يعلم مصدره إلا الله . . وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها ، وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها . .

تقف أمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول ، تدرك الوظيفة والمظهر ، وتجهل المصدر والجوهر ، والحياة ماضية في طريقها . والمعجزة تقع في كل لحظة ! ! !

ومنذ البدء أخرج الله الحي من الميت . فقد كان هذا الكون - أو على الأقل كانت هذه الأرض - ولم يكن هناك حياة . . ثم كانت الحياة . . أخرجها الله من الموات . . كيف ؟ لا ندري ! وهي منذ ذلك الحين تخرج من الميت ؛ فتتحول الذرات الميتة في كل لحظة - عن طريق الأحياء - إلى مواد عضوية حية تدخل في كيان الأجسام الحية ؛ وتتحول - وأصلها ذرات ميتة - إلى خلايا حية . . والعكس كذلك . . ففي كل لحظة تتحول خلايا حية إلى ذرات ميتة ؛ إلى أن يتحول الكائن الحي كله ذات يوم إلى ذرات ميتة !

( يخرج الحي من الميت ، ومخرج الميت من الحي ) . .

ولا يقدر إلا الله أن يصنع ذلك . . لا يقدر إلا الله أن ينشى ء الحياة منذ البدء من الموات . ولا يقدر إلا الله أن يجهز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة إلى خلايا حية . ولا يقدر إلا الله على تحويل الخلايا الحية مرة أخرى إلى ذرات ميتة . . في دورة لم يعلم أحد يقينا بعد متى بدأت ، ولا كيف تتم . . وإن هي إلا فروض ونظريات واحتمالات ! ! !

لقد عجزت كل محاولة لتفسير ظاهرة الحياة ، على غير أساس أنها من خلق الله . . ومنذ أن شرد الناس من الكنيسة في أوربا . . ( كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ! ) . . وهم يحاولون تفسير نشأة الكون وتفسير نشأة الحياة ، بدون التجاء إلى الاعتراف بوجود الله . . ولكن هذه المحاولات كلها فشلت جميعا . . ولم تبق منها في القرن العشرين إلا مماحكات تدل على العناد ، ولا تدل على الإخلاص !

وأقوال بعض " علمائهم " الذين عجزوا عن تفسير وجود الحياة إلا بالاعتراف بالله ، تصور حقيقة موقف " علمهم " نفسه من هذه القضية . ونحن نسوقها لمن لا يزالون عندنا يقتاتون على فتات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من موائد الأوربيين ، عازفين عن هذا الدين ، لأنه يثبت " الغيب " وهم " علميون ! " لا " غيبيون " ! . .

ونختار لهم هؤلاء العلماء من " أمريكًا ! ! !

يقول " فرانك أللن " . [ ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل وأستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتوبا بكندا ] في مقال : نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد ؟ من كتاب : " الله يتجلى في عصر العلم " . . ترجمة الدكتور : الدمرداش عبد المجيد سرحان .

. . " فإذا لم تكن الحياة قد نشأت بحكمة وتصميم سابق ، فلا بد أن تكون قد نشأت عن طريق المصادفة فما هي تلك المصادفة إذن حتى نتدبرها ونرى كيف تخلق الحياة ؟

" إن نظريات المصادفة والاحتمال لها الآن من الأسس الرياضية السليمة ما يجعلها تطبق على نطاق واسع حيثما انعدم الحكم الصحيح المطلق . وتضع هذه النظريات أمامنا الحكم الأقرب إلى الصواب - مع تقدير احتمال الخطأ في هذا الحكم - ولقد تقدمت دراسة نظرية المصادفة والاحتمال من الوجهة الرياضية تقدما كبيرا ، حتى أصبحنا قادرين على التنبؤ بحدوث بعض الظواهر ، التي نقول : إنها تحدث بالمصادفة ، والتي لا نستطيع أن نفسر ظهورها بطريقة أخرى [ مثل قذف الزهر في لعبة النرد ] . وقد صرنا بفضل تقدم هذه الدراساتقادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة ، وما يستحيل حدوثه بهذه الطريقة ، وأن نحسب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدى معين من الزمان . . ولننظر الآن إلى الدور الذي تستطيع أن تلعبه المصادفة في نشأة الحياة :

" إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية . وهي تتكون من خمسة عناصر ؛ هي : الكربون ، والأدروجين ، والنيتروجين ، والأكسجين ، والكبريت . . ويبلغ عدد الذرات في الجزيء الواحد 000 40 ذرة . ولما كان عدد العناصر الكيموية في الطبيعة 92 عنصرا ، موزعة كلها توزيعا عشوائيا ، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة ، لكي تكون جزئيا من جزيئات البروتين ، يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزيء ؛ ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد .

" وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعا ، فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد ، إلا بنسبة 1 إلى 10 160 ، أي بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروبا في نفسه 160 مرة . وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات . . وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات . . ويتطلب تكوين هذا الجزيء على سطح الأرض وحدها - عن طريق المصادفة - بلايين لا تحصى من السنوات ، قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين [ 10 243 سنة ]

" إن البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية . فكيف تتألف ذرات هذه الجزيئات ؟ إنها إذا تآلفت بطريقة أخرى ، غير التي تتآلف بها ، تصير غير صالحة للحياة . بل تصير في بعض الأحيان سموما ، وقد حسب العالم الانجليزي : ج . ب . سيثر . . الطرق التي يمكن أن تتآلف بها الذرات في أحد الجزيئات البسيطة من البروتينات ، فوجد أن عددها يبلغ الملايين [ 10 48 ] وعلى ذلك فإنه من المحال عقلا أن تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزيئا بروتينيا واحدا .

" ولكن البروتينات ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة ، ولا تدب فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب ، الذي لا ندري من كنهه شيئا ، إنه العقل اللانهائي . وهو الله وحده ، الذي استطاع أن يدرك ببالغ حكمته ، أن مثل هذا الجزيء البروتيني يصلح لأن يكون مستقرا للحياة ، فبناه وصوره ، وأغدق عليه سر الحياة " . .

ويقول إيرفنج وليام [ دكتوراه من جامعة إيوى وأخصائي في وراثة النباتات وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميتشجان ] في مقال : " المادية وحدها لا تكفي " من الكتاب نفسه :

" إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد ، وهي التي تتكون منها جميع المواد . كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا - بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة . ولا شك أن النظرية التي تدعي أن جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن . . نقول : إن هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها إلا عن طريق التسليم . فهي لا تقوم على أساس المنطق والإقناع ! " .

ويقول : " ألبرت ماكومب ونشتر " [ متخصص في علم الأحياء دكتوراه من جامعة تكساس . أستاذ علم الأحياء بجامعة بايلور . . . ] في مقال : " العلوم تدعم إيماني بالله " من الكتاب نفسه :

" . . . وقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء . وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة . وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون .

" انظر إلى نبات برسيم ضئيل . وقد نما على أحد جوانب الطريق . فهل تستطيع أن تجد له نظيرا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة ؟ إنه آله حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار ، بآلاف من التفاعلات الكيموية والطبيعية ؛ ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم - وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية .

" فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة ؟ إن الله لم يصنعها هكذا وحدها ، ولكنه خلق الحياة ، وجعلها قادرة على صيانة نفسها ، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل . مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر . . إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء ، وأكثرها إظهارا لقدرة الله . . إن الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد ، تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها إلا باستخدام المجهر المكبر . ومن العجيب أن كل صفة من صفات النبات : كل عرق ، وكل شعيرة ، وكل فرع على ساق ، وكل جذر أو ورقة ، يتم تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا ، فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي ينشأ منها النبات . . تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات [ ناقلات الوراثة ] .

وفي هذا القدر كفاية لنعود إلى الجمال المشرق في سياق القرآن : ( ذلكم الله ) . .

مبدع هذه المعجزة المتكررة المغيبة السر . . هو الله . . وهو ربكم الذي يستحق أن تدينوا له وحده . . بالعبودية والخضوع والاتباع .

( فأنى تؤفكون ؟ ) . .

فكيف تصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والقلوب والعيون !

إن معجزة انبثاق الحياة من الموات يجيء ذكرها كثيرا في القرآن الكريم - كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداء - في معرض التوجيه إلى حقيقة الألوهية ، وآثارها الدالة على وحدة الخالق ، لينتهي منها إلى ضرورة وحدة المعبود ، الذي يدين له العباد ؛ بالاعتقاد في ألوهيته وحده ، والطاعة لربوبيته وحده ، والتقدم إليه وحده بالشعائر التعبدية ، والتلقي منه وحده في منهج الحياة كله ، والدينونة لشريعته كذلك وحدها . .

وهذه الدلائل لا تذكر في القرآن الكريم في صورة قضايا لاهوتية أو نظريات فلسفية ! إن هذا الدين أكثر جدية من أن ينفق طاقة البشر في قضايا لاهوتية ونظريات فلسفية . إنما يهدف إلى تقويم تصور البشر - بإعطائهم العقيدة الصحيحة - لينتهي إلى تقويم حياة البشر الباطنة والظاهرة .

وذلك لا يكون أبدا إلا بردهم إلى عبادة الله وحده وإخراجهم من عبادة العباد . وإلا أن تكون الدينونة في الحياة الدنيا ، وفي شئون الحياة اليومية لله وحده ، وإلا أن يخرج الناس من سلطان المتسلطين ، الذين يدعون حق الألوهية ، فيزاولون الحاكمية في حياة البشر ، ويصبحون آلهة زائفة وأربابا كثيرة ؛ فتفسد الحياة ، حين يستعبد الناس فيها لغير الله !

ومن هنا نرى التعقيب على معجزة الحياة :

( ذلكم الله فأنى تؤفكون ) . .

ذلكم الله الذي يستحق الربوبية فيكم . . والرب هو المربى والموجه والسيد والحاكم . .

ومن ثم يجب ألا يكون الرب إلا الله . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

ولما ثبتت{[30472]} الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها ، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى{[30473]} به مقام العظمة ، وانكشف له قناع الحكمة و{[30474]} تمثل نفوذ الكلمة ، فتهيأ السامع لتأمله ، وتفرع فهمه لتدبره ؛ قال دالاً عليه مشيراً إليه ، معلماً أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه ، مذكراً بآياته{[30475]} { والذين يؤمنون بالآخرة } وبمحاجة إبراهيم عليه السلام ، مصرفاً ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه{[30476]} أخرى ، إعلاماً بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال ، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته : { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ، فهو{[30477]} قادر على كل ما يريد { فالق الحب } أي فاطره وشاقه عن الزروع{[30478]} والنبات ، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوماً ، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة ، فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق{[30479]} ذلك العدم { والنوى } أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر ، ولا يكون مقصوداً لذاته بفلقها عن الأشجار ، وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن{[30480]} الأفكار ، وتدل على كمال الواحد المختار{[30481]} ؛ قال الإمام الرازي ما حاصله : إن النواة والحبة تكون في الأرض الرطبة مدة ، فيظهر الله فيها شقاً في أعلاها وآخر في أسفلها ، وتخرج الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض ، هي العروق ، وتلك الحبة أو{[30482]} النواة سبب و{[30483]} اصل بين الشجرتين : الصاعدة والهابطة ، فيشهد{[30484]} الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس ، وليس ذلك قطعاً بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بالإيجاد والاختراع والتكوين{[30485]} والإبداع ، ولا شك أن العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة{[30486]} بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت كالماء ، وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها المسلّة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم ، فحصول هذا النفوذ لهذه{[30487]} الأجرام اللطيفة لا يكون قطعاً إلا لقوة{[30488]} الفاعل المختار ، لا سيما إذا تأملت ظهور{[30489]} شجرة من نواة صغيرة ، ثم{[30490]} تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته من جرم الخشبة ، وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش ، ثم يتولد من ساقها أغصانها ، ومن الأغصان أوراقها أولاً ثم أنوارها وأزهارها ثانياً ، ثم الفاكهة ثالثاً ، ثم قد يحصل{[30491]} للفاكهة أربعة أنواع من القشور ، مثل الجوز واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر ، وتحته القشر الذي كالخشب ، وتحته القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة ، وتحته اللب المشتمل على جرم{[30492]} كثيف هو أيضاً كالقشرة ، وعلى جرم{[30493]} لطيف هو الزهر{[30494]} ، وهو المقصود بالذات ، فتولدُ هذه الأجسام المختلفة طبعاً وصفة ولوناً وشكلاً وطعماً{[30495]} مع تساوي تأثيرات الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في الفرحة ، وقد تجتمع{[30496]} الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار يابس ونوره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد أحوالها مختلفة ، بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز ، وبعضها{[30497]} يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش ، وبعضه لا لب لنواه كالتمر ، وبعضه يكون كله مطلوباً كالتين ، واختلاف هذه الطبائع والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن طبيعة ، بل عن الواحد المختار ، والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور ، فشكل الحنطة كأنه{[30498]} نصف مخروط ، وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما وشكل الحمص على وجه آخر ، وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما في الآخر ، وقد تكون الثمرة غذاء{[30499]} لحيوان وسمّاً لحيوان آخر ، فهذا الاختلاف مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دالّ على أنها إنما حصلت بالفاعل المختار ، ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطاً في وسطها مستقيماً نسبته لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان ، ينفصل عنه خيوط مختلفة ، وعن كل واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى ، ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج الخيوط عن الحس والبصر ، كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في البدن ، ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى ، ولا يزال يستدق حتى تلطف عن الحس ، فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة ، فهذا يعلمك أن عنايته سبحانه في اتخاذ{[30500]} جملة تلك الشجرة أكمل ، فعنايته في تكوين جملة النبات أكمل ، وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق الحيوان أكمل ، والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في تخليقه أكمل ، وهو سبحانه إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده ، والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة والمحبة والعبودية ، فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، وحينئذ ينفتح{[30501]} لك باب من المكاشفات لا آخر له ، ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير متناهية

وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها{[30502]} }[ إبراهيم : 34 ] - والله الهادي .

ولما كان فلقهما{[30503]} عن النبات من جنس الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتاً بعد وقت بقوله : { يخرج } أي على سبيل التجدد والاستمرار تثبيتاً لأمر البعث { الحي } أي كالنجم والشجر والطير والدواب { من الميت } من الحب والنوى والبيض{[30504]} والنطف{[30505]} فكيف تنكرون{[30506]} قدرته على البعث ؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه بإخراج الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم - لو كان لا{[30507]} يخرج عن شيء إلا مثله - أن الفاعل{[30508]} الطبيعة والخاصية ، عطف على { فالق } زيادة في البيان قوله معبراً باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه ، فلم تدع حاجة إلى التعبير بالفعل الدال على التجدد : { ومخرج الميت } أي من الحب وما معه { من الحي } أي من النجم وما معه .

ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي لا قدرة أصلاً لأحد غيره على شيء منها ، قال منبهاً لهم على غلطهم في إشراكهم ، إعلاماً بأن كل شريك ينبغي أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك{[30509]} فيه ، ولا مكافئ له سبحانه وتعالى{[30510]} في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه : { ذلكم } أي العالي المراتب المنيع المراقي{[30511]} هو { الله } أي المستجمع لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له ؛ ولما{[30512]} كان هذا{[30513]} معنى الكلام ، سبب عنه قوله : { فأنَّى } أي فكيف ومن أيّ وجه { تؤفكون * } أي تصرفون وتقلبون عما ينبغي اعتقاده .


[30472]:في ظ: ثبت.
[30473]:من ظ، وفي الأصل: تجلى- كذا.
[30474]:زيد من ظ.
[30475]:في ظ، ياته.
[30476]:في ظ: وجه.
[30477]:في ظ: وهو.
[30478]:في ظ: الزرع.
[30479]:في ظ: الشق.
[30480]:في ظ: على.
[30481]:في ظ: القهار.
[30482]:في ظ "و".
[30483]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30484]:في ظ: يشهد.
[30485]:من ظ، وفي الأصل: السكون.
[30486]:في ظ: بقوة.
[30487]:من ظ، وفي الأصل: لهذا.
[30488]:في ظ: بقوة.
[30489]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30490]:من ظ، وفي الأصل: ظهوره.
[30491]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30492]:من ظ، وفي الأصل: حزم.
[30493]:في ظ: تبرم- كذا.
[30494]:من ظ، وفي الأصل: الدهن.
[30495]:في ظ: طمعا.
[30496]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[30497]:في ظ: بعضه.
[30498]:في ظ: فإنه.
[30499]:في ظ: عد- كذا.
[30500]:في ظ: اتحاد.
[30501]:في ظ: ينفح.
[30502]:سورة 14 آية 34.
[30503]:في ظ: قلعهما.
[30504]:من ظ، وفي الأصل: من الفطرة- كذا.
[30505]:من ظ، وفي الأصل: من الفطرة- كذا.
[30506]:في ظ: يفكر.
[30507]:زيد من ظ.
[30508]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[30509]:في ظ: المشترك.
[30510]:زيد من ظ.
[30511]:سقط من ظ.
[30512]:من ظ، وفي الأصل: هذا كان.
[30513]:من ظ، وفي الأصل: هذا كان.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

قوله تعالى : { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ( 95 ) فالق الإصباح وجاعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ( 96 ) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } .

يبين الله في هذه الآيات بعضا من عجائب صنعه في الحياة والخلق . بما يكشف للأذهان والعيان عن العظمة المطلقة للخالق ، والقدرة البالغة لجلاله سبحانه وأنه الإله المربوب الذي ذرأ كل شيء وقدره تقديرا . فما يكون من صغير ولا كبير ، ولا دقيق ولا جليل ، ولا يسير ولا عسير إلا هو من صنع الله وإتقانه . وهذه شواهد نزرة من شواهد عظام على صدق الكتاب الحكيم وعلى أن الله وحده له الإلهية العظمى بعيدا عن الشرك والشركاء . وما الأنداد والأصنام والأرباب المصطنعة بعد ذلك إلا الأباطيل المفتراة التي تراود أوهام التائهين التعساء فتمس حلومهم وفهومهم الواهية المريضة مسا .

قوله : { إن الله فالق الحب والنوى } فالق ، من الفلق بسكون اللام وهو الشق . والحب معروف ومنه حبة الحنطة والشعيرة والذرة ، وسائر أنواع الحبوب . وأما النوى فهو جمع نواة وهي العجمة . وهو يجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ والتمر{[1222]} .

والمقصود أن الحبة الميتة اليابسة بعد أن توارى الثرى وتمس الرطوبة تتشقق . ومن شقها يخرج النبات والزرع وهو محمول على سوقه وتعلوه السنابل المحفلة بالحبوب على أصناف شتى . وكذلك النواة اليابسة الميتة تتشقق فيبرغ منها الشجر بوقه الأخضر الوارف ، وظله الرخي الظليل ، وثمره اليانع المستطاب . لا جرم أن ذلك يدل على قدرة الإله الصانع المربوب . وهو يشير كذلك إلى قدرة الله المطلقة في الإحياء . فقال سبحانه : { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } في تأويل إخراج الحي من الميت والميت من الحي ، نختار حمل اللفظين ( الحي والميت ) على الوجه المجازي . فنقول إخراج الحي من الميت معناه إخراج النبات الغض الطري الأخضر من الحب اليابس . وإخراج اليابس من النبات الحي النامي ، أو هو إخراج السنبل الحي من الميت ، وإخراج الحب الميت من السنبل الحي والشجر الحي من النوى الميت ، والنوى من الشجر الحي . والشجر ما دام قائما على أصوله لم يجف والنبات على ساقه لم ييبس فإن العرب تسميه حيا فإذا يبس وجف أو قطع من أصله سموه ميتا .

وقال ابن عباس في تأويل ذلك : إن الله يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن ، كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس{[1223]} .

وقيل : يخرج العالم من الجاهل وبالعكس . وذلك أن العلم حياة ونور . وهو ضياء يستنير به الإنسان في حياته فيمضي مهتديا غير متعثر . أما الجهل فإنه الضلال والاضطراب والأرجحة بما يفضي بالضرورة إلى التعثر والزلل والهلاك ، وما الجاهلون إلا اشباها لأناسي يمرون بلا حساب أو أشباحا تائهة تروح وتجيء من غير وعي ولا تدبر ولا بصيرة . وكأنما هم صور بلهاء لموتى لا ينبسن ولا يريمون{[1224]} .

أما قوله : { يخرج الحي } ثم قوله بعدها : { ومخرج الميت } فقد عطف الاسم على الفعل ، فسببه أن قوله : { ومخرج الميت من الحي } معطوف على قوله : { فالق الحب والنوى } فقد عطف الاسم على الاسم . أما قوله : { يخرج الحي من الميت } فهو كالبيان والتفسير لقوله : { فالق الحب والنوى } وهو قول الزمخشري والرازي .

قوله : { ذلكم الله } مبتدأ وخبره . أي صانع كل هذه الأعاجيب وبارئ كل هذه الخلائق على اختلاف أنواعها وكثرة عجائبها هو الله وحده الواجب الوجود المستحق للعبادة .

قوله : { فأنى تؤفكون } تؤفكون من الأفك بفتح الهمز مصدر أفك بالفتح . أي قلب وصرف عن الشيء والمؤتفكات المدن التي قلبها الله تعالى على قوم لوط .

وقوله : { أجئتنا لتأفكنا } أي لتصرفنا{[1225]} والمعنى : فكيف تصرفون عن عبادة الله وحده وقد علمتم وعاينتم الشواهد على قدرته البالغة وأنه الصانع لكل شيء ؟ !


[1222]:- المصباح المنير ج 2 ص 304.
[1223]:- تفسير الرازي ج 13 ص 95- 97 وتفسير الطبري ج 7 ص 186- 188.
[1224]:- يريمون، من الفعل رام يريم. أي برح يبرح. يقال: لا رمت، أي لا برحت. وهو دعاء بالإقامة. أي لا زلت مقيما. انظر مختار الصحاح ص 266.
[1225]:- مختار الصحاح ص 19.