ولقد كان القرآن يواجه بذلك التهديد الرعيب قوماً من المكذبين بآيات الله في مكة - والنص القرآني دائماً أبعد مدى من المناسبة الخاصة - وكان يتوعدهم على موقفهم من الجماعة المسلمة - التي يسميها أمة وفق المصطلح الإسلامي - بالإملاء لهم والاستدراج والكيد المتين . . ثم كان يدعوهم - بعد هذا التهديد - إلى استخدام قلوبهم وعيونهم وآذانهم . فلا يكونوا من ذرء جهنم ولا يكونوا من الغافلين . . كان يدعوهم إلى التدبر في أمر رسولهم الذي يدعوهم إلى الحق ويهديهم به ؛ وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وآيات الله المبثوثة في هذا الملكوت ؛ وكان يوقظهم إلى مرور الوقت وما يؤذن به من اقتراب الأجل المجهول ، وهم غافلون :
( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إلا نذير مبين . أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ؟ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ؟ فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ . . )
إن القرآن يهزهم من غفوتهم ، ويوقظهم من غفلتهم ، ويستنقذ - من تحت الركام - فطرتهم وعقولهم ومشاعرهم . . إنه يخاطب كينونتهم البشرية كلها ، بكل ما فيها من أجهزة الاستقبال والاستجابة . . إنه لا يوجه إليهم جدلاً ذهنيا باردا ؛ إنما هو يستنقذ كينونتهم كلها وينفضها من أعماقها :
( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة ، إن هو إلا نذير مبين . . )
لقد كانوا يقولون عن الرسول [ ص ] في حرب الدعاية التي يشنها ضده الملأ من قريش يخدعون بها الجماهير : إن محمداً به جنة . وهو من ثم ينطق بهذا الكلام الغريب ، غير المعهود في أساليب البشر العاديين !
ولقد كان الملأ من قريش يعلمون أنهم كاذبون ! وقد تضافرت الروايات على أنهم كانوا يعرفون الحق في أمر رسول الله [ ص ] وأنهم ما كانوا يملكون أن يمنعوا أنفسهم عن الاستماع لهذا القرآن والتأثر به أعمق التأثر . . وقصة الأخنس بن شريق ، وأبي سفيان بن حرب ، وعمرو بن هشام - أبي جهل - في الاستماع لهذا القرآن خلسة ، ليالي ثلاثاً ، وما وجدوه في أنفسهم منه معروفة . . وكذلك قصة عتبة بن ربيعة وسماعه سورة فصلت من النبي [ ص ] وهزته أمام إيقاعاتها المزلزلة . . ومثلها قصة تآمرهم قبيل موسم الحج فيما يقولون للناس عن النبي [ ص ] وما معه من القرآن ؛ وانتهاء الوليد بن المغيرة إلى أن يقولوا للوفود : إنه سحر يؤثر . . كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر ؛ إنما هم كانوا يستكبرون عنه ؛ ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير الله . . وتهدد كل طاغوت بشري علي العموم !
من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود ؛ كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم ، عن الصلة بين التنبؤ والجنون ! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون ؛ ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور ! . . كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد ، إنما يقوله عن جنة به ؛ وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول ، لأنه مجنون !
والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه . فلم يعرفوا عنه من قبل خللاًعن السواء ؛ وشهدوا له بالأمانة والصدق ، كما شهدوا له بالحكمة ؛ وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور . واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجراً فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم الله وجهه !
القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله ، المكشوف لهم أمره كله . . أفهذا به جنة ؟ . . أفهذا قول مجنون وفعل مجنون ؟ . . كلا :
( ما بصاحبهم من جنة . . إن هو إلا نذير مبين ) . .
لا اختلاط في عقله ولا في قوله . إنما هو منذر مفصح مبين . لا يلتبس قوله بقول المجانين ، ولا تشتبه حاله بحال المجانين .
ولما كان السياق من أول السورة لإنذارهم ، وكان لا بد في صحة الإنذار{[34217]} من تصحيح الرسالة ، وختم بأمر الاستدراج ، وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لا يجترىء عليه إلا مطموس البصيرة ، وكان عندهم أن من قال : إنهم على حال سيىء ، - مع ما هم فيه من النعم الظاهرة - مجنون ، وكان التقدير دلالة على صحة الاستدراج ؛ ألم يروا أنهم يقدمون على ما لا يرضاه لنفسه عاقل من عبادتهم للحجر وشماختهم عن{[34218]} أكمل البشر ووصفه بالجنون ووصفهم أفضل الكلام بالسحر{[34219]} والكذب إلى غير ذلك مما يغضب من ليس {[34220]}النفع والضر{[34221]} إلا بيده ، وهو مع ذلك يوالي عليهم النعم ، ويدفع عنهم النقم ، هل{[34222]} ذلك إلا استدراج ؛ قال منكراً عليهم عطفاً على ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه إلى تقديره : { أولم يتفكروا } أي يعملوا أفكارهم ويمعنوا{[34223]} في ترتيب المقدمات ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن يورث شبهة بوجه من الوجوه ، وبين المراد من هذا التفكر و{[34224]}عينه بقوله : { ما بصاحبهم } أي الذي طالت خبرتهم لأنه أمتنهم عقلاً وأفضلهم شمائل ولم يقل : ما برسولي ونحوه ، لئلا يقول متعنتهم مالا يخفى ، وأغرق في النفي فقال : { من جنة } أي حالة من حالات الجنون .
ولما نفى أن يكون به{[34225]} شيء مما نسبوه إليه وافتروه عليه فثبتت رسالته ، حصر أمره في النذارة لأنها النافعة لهم{[34226]} مع أن المقام لها في هذه السورة فقال : { إن } أي ما { هو إلا نذير } أي بالغ في نذارته{[34227]} { مبين* } أي موضح للطريق إيضاحاً لا يصل إليه غيره ، ومن أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء مما{[34228]} يأتي به من أنه أحسن الناس خَلقاً وأعلاهم خُلقاً وأفضلهم عشرة وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم سريرة وأشرفهم عملاً وأحكمهم{[34229]} علماً وأرصنهم رأياً وأعظمهم عقلاً وأشدهم أمانة وأظهرهم نبلاً{[34230]} .
قوله تعالى : { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة عن هو إلا نذير مبين } الاستفهام للإنكاري . يعني أو لم يتفكر هؤلاء المعرضون المدبرون عن آياتنا ، فيتدبروا ويعوا بعقولهم أن رسولنا الذي بعثا إليهم ليس به جنة وهي الجنون{[1590]} ، وأن ما دعاهم إليه لهم الحق القويم والصدق المبين . وما هو إلا نذير جاء لينذركم عقاب الله ويخوفكم عذابه إن لم تثوبوا إلى ربكم مؤمنين مخبتين . ووصف النذير بأنه مبين ؛ أي ظاهر لمن كان له قلب أو عقل فيعي أو يصدق . والنذير ، معناه المنذر والإنذار ، ولا يكون ذلك إلا في التخويف{[1591]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.