ثم يقول النص : إن هذه الإجراءات أضمن في أداء الشهادة بالحق ؛ أو الخوف من رد أيمان الشاهدين الأولين ، مما يحملهما على تحري الحق .
( ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ) .
وينتهي إلى دعوة الجميع إلى تقوى الله ، ومراقبته وخشيته ، والطاعة لأوامره ، لأن الله لا يهدي من يفسقون عن طريقه ، إلى خير ولا إلى هدى :
( واتقوا الله واسمعوا . والله لا يهدي القوم الفاسقين ) . .
قال القرطبي في تفسيره عن سبب نزول هذه الآيات الثلاث :
" . . . ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات الثلاث نزلت بسبب تميم الداري ، وعدي بن بداء روي البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء ، يختلفان إلى مكة ؛ فخرج معهما فتى من بني سهم ، فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما ، فدفعا تركته إلى أهله ، وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب . فاستحلفهما رسول الله [ ص ] : " ما كتمتما ولا اطلعتما " . ثم وجد الجام بمكة . فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم . فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا . قال : فأخذ الجام . وفيهم نزلت هذه الآية . . [ لفظ الدارقطني ] . "
وواضح أن لطبيعة المجتمع الذي نزلت هذه الأحكام لتنظيمه دخلا في شكل الإجراءات . وربما في طبيعة هذه الإجراءات . فالإشهاد والائتمان على هذا النحو ، ثم الحلف بالله في مجتمع بعد الصلاة . لاستجاشة الوجدان الديني ، والتحرج كذلك من الفضيحة في المجتمع عند ظهور الكذب والخيانة . . كلها تشي بسمات مجتمع خاص . تفي بحاجاته وملابساته هذه الإجراءات .
ولقد تملك المجتمعات اليوم وسائل أخرى للإثبات ، وأشكالا أخرى من الإجراءات ، كالكتابة والتسجيل والإيداع في المصارف . . وما إليها . .
ولكن . أو فقد هذا النص قدرته على العمل في المجتمعات البشرية ؟
إننا كثيرا ما نخدع بيئة معينة ، فنظن أن بعض التشريعات وبعض الإجراءات قد فقدت فاعليتها ، ولم تعد لها ضرورة ، وأنها من مخلفات مجتمعات مضى زمنها ! لأن البشرية استجدت وسائل أخرى !
أجل كثيرا ما نخدع فننسى أن هذا الدين جاء للبشرية جميعا ، في كل أقطارها ، وفي كل أعصارها .
وأن كثيرة ضخمة من هذه البشرية اليوم ما تزال بدائية أو متدرجة من البداوة . وأنها في حاجة إلى أحكام وإجراءات تواكب حاجاتها في جميع أشكالها وأطوارها ، وأنها تجد في هذا الدين ما يلبي هذه الحاجات في كل حالة . وأنها حين ترتقي من طور إلى طور تجد في هذا الدين كفايتها كذلك بنفس النسبة ؛ وتجد في شريعته ما يلبي حاجاتها الحاضرة ، ثم يرتقي بها إلى تلبية حاجاتها المتطورة . . وأن هذه معجزة هذا الدين ومعجزة شريعته ؛ وآية أنه من عند الله ، وأنها من اختياره سبحانه .
على أننا نخدع كذلك مرة أخرى حين ننسى الضرورات التي يقع فيها الأفراد من البيئات التي تجاوزت هذه الأطوار ؛ والتي يسعفهم فيها يسر هذه الشريعة وشمولها ، ووسائل هذا الدين المعدة للعمل في كل بيئة وفي كل حالة . في البدو والحضر . في الصحراء والغابة . لأنه دين البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها . . وتلك أيضا إحدى معجزاته الكبرى . .
إننا نخدع حين نتصور أننا - نحن البشر - أبصر بالخلق من رب الخلق . . فتردنا الوقائع إلى التواضع ! وما أولانا أن نتذكر قبل أن تصدمنا الأحداث . وأن نعرف أدب البشر في حق خالق البشر . . أدب العبيد في حق رب العبيد . . لو كنا نتذكر ونعرف ، ونثوب . .
ولما تم هذا على هذا{[28011]} الوجه الغريب ، بين{[28012]} سبحانه سرَّه فقال : { ذلك } أي الأمر المحكم المرتب هذا{[28013]} الترتيب بالأيمان وغيرها { أدنى } أي أقرب { أن } أي إلى أن { يأتوا } أي الذين شهدوا أولاً { بالشهادة } أي الواقعة في نفس الأمر { على وجهها } من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند الله بعد هذا التغليظ { أو يخافوا } إن لم يمنعهم الخوف من الله { أن ترد } أي تثنى وتعاد { أيمان } أي من الورثة { بعد أيمانهم } للعثور على ريبة فيصيروا بافتضاحهم مثلاً للناس ، قال الشافعي : وليس في{[28014]} هذا رد اليمين ، فما كانت يمين الداريين على ما ادعى الورثة من الخيانة ، ويمين ورثة الميت على ما{[28015]} ادعى الداريان مما وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما من قِبَله ، فلم تقبل دعواهما بلا بينة ، فأحلف وارثاه ، قال : وإذا كان هذا كما وصفت فليست الآية ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن نرضى{[28016]} من الشهداء ، هذا ما اقتضى إيلاؤها لما قبلها ، وقد نزعها إلى مجموع هذه السورة مَنازع منها ما تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند قصة بني آدم وما بعدها ، ثم تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت ، وقوله تعالى :وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس }[ المائدة : 45 ] ، ثم ذكره{[28017]} أيضاً في قوله تعالى :{ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم }[ المائدة : 54 ] وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك في البقرة ، ولم يذكر عقب واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها على آية البقرة بمنازع منها الحلف ، فناسب كونها بعد آية الأيمان ، ومنها تغليظ الحلف والخروج به عما يشاكله من القسم على المال بكونه في زمان مخصوص بعد عبادة مخصوصة ، فناسب ذكرها بعد تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص{[28018]} وهو الإحرام والخروج به عن أشكاله من الأحوال وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن أشكاله من الكفارات وتغليظ أمر المكان المخصوص وهو الكعبة والخروج بها عن أشكالها من البيوت ، وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام والخروج به عن أشكاله من الأزمنة . وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم ، وهكذا آية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله{[28019]} لقيام الأمور على السداد وإصلاح المعاش والمعاد ، وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم العهود ، والوفاءُ بها من أصعب الوفاء ، و{[28020]} إلى قوله تعالى :{ وتعاونوا على البر والتقوى }[ المائدة : 2 ] وإلى قوله تعالى{[28021]} :
{ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط }[ المائدة : 8 ] انظر إلى ختمها بقوله : { إن{[28022]} الله خبير بما تعملون } وإلى كون{[28023]} هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم بالخفيات ، وقوله : - عطفاً على ما تقديره : فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم إليه تفلحوا : { واتقوا الله } أي ذا{[28024]} الجلال{[28025]} والإكرام{[28026]} إلى آخرها - ملتفت إلى قوله :
{ وميثاقه الذي واثقكم به }[ المائدة : 7 ] - الأية ، أي خافوا الله{[28027]} خوفاً عظيماً يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية لئلا تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة { واسمعو } أي الموعظة{[28028]} سمع إجابة وقبول{[28029]} ذاكرين لقولكم{[28030]}{ سمعنا وأطعنا }[ البقرة : 285 ] فإن الله يهدي المتمسكين بالميثاق { والله } أي الذي له الكمال كله و{[28031]} تمام الحكمة وكمال العزة والسطوة { لا يهدي القوم } أي لا يخلق{[28032]} الهداية في قلوب الذين لهم قدرة على ما يحاولونه ( الفاسقين * } أي الذين هم خارجون ، أي من عادتهم ذلك على وجه الرسوخ ، فهم أبداً غير متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا عهد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.