ومن خطاب رسول الله [ ص ] بهذه الحقيقة ، ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة ، وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله ، ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الإقتراج الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه ! ويعرض جانبا من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعا ، يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعا . وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة .
( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله قادر على أن ينزل آية ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) . .
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة ، ولا يقنعون بآية القرآن الباقية ، التي تخاطب الإدراك البشري الراشد ، وتعلن عهد الرشد الإنساني ، وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي ؛ والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية ؛ بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة . .
وكانوا يطلبون خارقة ، ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة ، وإهلاكهم في الدنيا . ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة ، وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك ، بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن . فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة . ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم ، وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم ، الذي لا يعلمون جرائره !
والقرآن يذكر اقتراحهم هذا ، ويعقب عليه بأن أكثرهم لا يعلمون ما وراءه ولا يعلمون حكمه الله في عدم الاستجابة ، ويقرر قدرة الله على تنزيل الآية ، ولكن حكمته هي التي تقتضي ، ورحمته التي كتبها على نفسه هي التي تمنع البلاء : 7 ( وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله قادر على أن ينزل أية . ولكن أكثرهم لا يعلمون ) .
ولما سلاه صلى الله عليه وسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره ، وأعلمه تخفيفاً عليه أن أمرهم إنما هو بيده ، ذكَّره{[29450]} بعضَ كلامهم الآئل إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلاًّ بما يفعل ، فقال عطفاً على قوله{ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا }[ الأنعام : 29 ] وقوله{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك }[ الأنعام : 8 ] يعجب{[29451]} منه تعجيباً{[29452]} آخر : { وقالوا } أي مغالطة أو عناداً أو مكابرة { لولا } أي هلا { نزل{[29453]} } أي بالتدريج { عليه } أي خاصة { آية } أي واحدة تكون{[29454]} ثابتة بالتدريج لا تنقطع ، وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون{[29455]} القرآن آية و{[29456]} لا شيئاً مما{[29457]} رأوه{[29458]} منه صلى الله عليه وسلم من غير{[29459]} ذلك نحو انشقاق القمر { من ربه } أي المحسن إليه على حسب ما يدعيه لنستدل بها على ما يقول{[29460]} من التوحيد والبعث .
ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه الصفة إما مكابرة وإما مغالطة ، أمره بالجواب بقوله{[29461]} : { قل إن الله } أي الذي له جميع الأمر{[29462]} { قادر على أن } وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن المتكررة عليهم كل حين تدعوهم{[29463]} إلى المبارزة{[29464]} وتتحداهم{[29465]} بالمبالغة والمعاجزة فقال : { ينزل } وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في الوقاحة الغاية ، وأنهم لو قالوا : لولا أنزل ، أي مرة واحدة ، لكان أخف في الوقاحة ، أو إلى أنه أنزل عليهم أيّ آية ، كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن واحد كما قال تعالى { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين{[29466]} }[ الشعراء : 4 ] ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير إليه{[29467]} صيغة التفعيل في قراءة{[29468]} غيره المذكرة{[29469]} بأن آية القرآن لا تنقضي{[29470]} ، بل كلما سمعها أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه ، فهو أبلغ من مطلوبهم آية{[29471]} ينزل عليه{[29472]} وحده ، والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة ، فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل من بلغته ، باقية طول المدى { آية } أي مما اقترحوه ومن غيره ، لا يعجزه شيء ، وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز الوصف ، وكفى بالقرآن العظيم مثالاً لذلك { ولكن أكثرهم لا يعلمون * } أي ليس فيهم قابلية العلم ، فهم لا يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ليدلهم على{[29473]} أنه على كل شيء قدير ، فلا فائدة{[29474]} لهم في إنزال ما طلبوه ، وأما غير{[29475]} الأكثر فهو{[29476]} سبحانه يردهم بآية القرآن{[29477]} أو غيرها{[29478]} مما لم يقترحوه . {[29479]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.