ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة ؛ ولا يتدبرون شواهدها ، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم ، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات . . فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود ، ويشهد بها كل ما في الوجود ، ليتحدثوا عن شخص نوح :
( فقال الملأ الذين كفروا من قومه : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) !
من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة ، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها ؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها ، وتعمي عليهم عنصرها ، وتقف حائلا بين قلوبهم وبينها ؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم ، يريد أن يتفضل عليهم ، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم !
وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون أنه يعمل لها ، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة . . في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده ، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها ؛ ويرفضون تكريم الله لهذا الجنس ؛ ويستكثرون أن يرسل الله رسولا من البشر ، إن يكن لا بد مرسلا :
( ولو شاء الله لأنزل ملائكة ) . .
ذلك أنهم لايجدون في أرواحهم تلك النفخة العلوية التي تصل البشر بالملأ الأعلى ؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه ، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر ، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء .
وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر :
( ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) . .
ومثل هذا يقع دائما عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب . فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا ، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها . إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن " سابقة " يستندون إليها ؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها !
وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية . فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون ! وهكذا تجمد الحياة ، وتقف حركتها ، وتتسمر خطاها ، عند جيل معين من ( آبائنا الأولين ) !
{ الملأ } : أي أعيان البلاد وكبراء القوم .
{ ما هذا إلا بشر مثلكم } : أي ما نوح إلا بشر مثلكم فكيف تطيعونه بقبول ما يدعوكم إليه .
فأجابه قومه المشركون بما أخبر تعالى به عنهم في قوله : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } أي فرد عليه قوله أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم من أغنياء وأعيان ممن كفروا من قومه { ما هذا } أي نوح { إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } أي يسود ويشرف فادعى أنه رسول الله إليكم { ولو شاء الله } أي أن لا نعبد معه سواه { لأنزل ملائكة } تخبرنا بذلك { ما سمعنا بهذا } أي بالذي جاء به نوح ودعا إليه من ترك عبادة آلهتنا { في آبائنا الأولين } أي لم يقل به أحد من أجدادنا السابقين .
{ فقال } أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال : { الملأ } أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة . ولما كان أهل الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله : { الذين كفروا } أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم ، والصلة هنا قصيرة لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي ، وكأن أفخاذهم كانت متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله : { من قومه ما هذا } أي نوح عليه الصلاة والسلام { إلا بشر مثلكم } أي فلا يعلم ما لا تعلمون ، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبياً ، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنساناً ، وبعض الماء علقة ، وبعض العلقة مضغة - إلى آخره ، فكأنه قيل : فما حمله على ذلك ؟ فقالوا : { يريد أن يتفضل } أي يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا { عليكم } لتكونوا أتباعاً له ، ولا خصوصية له به دونكم .
ولما كان التقدير : فلم يرسله الله كما ادعى ، عطف عليه قولهم : { ولو شاء الله } أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره { لأنزل } لذلك { ملائكة } وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر على تفضيل ما شاء ومن شاء بما يشاء من الملائكة وغيرها .
ولما كان هذا متضمناً لإنكار رسالة البشر ، صرحوا به في قولهم كذباً وبهتاناً كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف عليه الصلاة والسلام : { ما سمعنا بهذا } أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن يعبد غير الله بقصد التقريب إليه ، فجعلوا الإله حجراً ، وأحالوا كون النبي بشراً { في آبائنا الأولين* } ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.