في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

ويعقب على أحكام الطهارة ، وعلى ما سبقها من الأحكام بتذكير الذين آمنوا بنعمة الله عليهم بالإيمان ، وبميثاق الله معهم على السمع والطاعة ، وهو الميثاق الذي دخلوا به في الإسلام - كما تقدم - كما يذكرهم تقوى الله ، وعلمه بما تنطوي عليه الصدور :

( واذكروا نعمة الله عليكم ، وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم : سمعنا وأطعنا ، واتقوا الله ، إن الله عليم بذات الصدور ) . .

وكان المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعرفون - كما قدمنا - قيمة نعمة الله عليهم بهذا الدين . إذ كانوا يجدون حقيقتها في كيانهم ، وفي حياتهم ، وفي مجتمعهم ، وفي مكانهم من البشرية كلها من حولهم . ومن ثم كانت الإشارة - مجرد الإشارة - إلى هذه النعمة تكفي ، إذ كانت توجه القلب والنظر إلى حقيقة ضخمة قائمة في حياتهم ملموسة .

كذلك كانت الإشارة إلى ميثاق الله الذي واثقهم به على السمع والطاعة ، تستحضر لتوها حقيقة مباشرة يعرفونها . كما كانت تثير في مشاعرهم الاعتزاز حيث تقفهم من الله ذي الجلال موقف الطرف الآخر في تعاقد مع الله ، وهو أمر هائل جليل في حسن المؤمن ، حين يدرك حقيقته هذه ويتملاها . .

ومن ثم يكلهم الله في هذا إلى التقوى . إلى إحساس القلب بالله ، ومراقبته في خطراته الخافية :

( واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ) . .

والتعبير( بذات الصدور ) تعبير مصور معبر موح ، نمر به كثيرا في القرآن الكريم . فيحسن أن ننبه إلى مافيه من دقة وجمال وإيحاء . وذات الصدور : أي صاحبة الصدور ، الملازمة لها ، الملاصقة بها . وهي كناية عن المشاعر الخافية ، والخواطر الكامنة ، والأسرار الدفينة . التي لها صفة الملازمة للصدور والمصاحبة . وهي على خفائها وكتمانها مكشوفة لعلم الله ، المطلع على ذات الصدور . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

شرح الكلمات :

{ ميثاقه } : أي ميثاق الله تعالى وهو عهده المؤكد والمراد به هنا : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية .

المعنى :

أما الآية الأخيرة ( 7 ) وهي قوله تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا واطعنا ، واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } فإنه تعالى يأمر عباده المؤمنين أن يذكروا نعمته عليهم بهدايتهم إلى الإِيمان ليشكروه بالإِسلام ، كما يذكروا ميثاقه الذي واثقهم به وهو العهد الذي قطعه المؤمن على نفسه لربه تعالى بالتزامه بطاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم عندما تعهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأما قوله : { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } قد قالها الصحابة بلسان القال عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والطاعة في المنشط والمكره ، وقد قالها كل مسلم بلسان الحال لما شهد لله بالوحدانية والنبي بالرسالة ، وقوله تعالى : { واتقوا الله } أمر بالتقوى التي هي لزوم الشرعية والقيام بها عقيدة وعبادة وقضاء وأدباً وقوله : { إن الله عليم بذات الصدور } يذكَّرهم بعلم الله تعالى بخفايا أمورهم حتى يراقبوه ويخشوه في السر والعلن وهذا من باب تربية الله تعالى لعباده المؤمنين لإِكمالهم وإِسعادهم فله الحمد وله المنة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

ولما كان في هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات ، وكانت الصلاة أوثق عرى الدين ، وكان قد عبر عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال ، عطف عليها قوله تذكيراً{[24493]} بما يوجب القبول والانقياد : { واذكروا } أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار .

ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال : { نعمة الله } أي الملك الأعلى { عليكم } أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، وفي غير ذلك من جميع النعم ، وإنما لم تجمع{[24494]} لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم ، لا الندب إلى الشكر بتأمل أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلى الله عليه وسلم فقال : { وميثاقه } أي عقده الوثيق { الذي واثقكم به } أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { إذ } أي حين { قلتم سمعنا وأطعنا } وفي ذلك تحذير من مثل ما أراد بهم{[24495]} شاس بن قيس ، وتذكير{[24496]} بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبة للوفاء الموعود عليه الجنة ، والتفات{[24497]} إلى قوله أول السورة

{ أوفوا بالعقود }[ المائدة : 1 ] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبيّن لحسن هذا التناسب .

ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعباً ، لا يقوم به إلا من صدقت عريقته{[24498]} وصلحت سريرته ، وإنما يحمل عليه مخافة الله قال : { واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم . الذي يفعل ما يشاء . من نقض العهد وقاية من حسن القيام ، لتكونوا في أعلى{[24499]} درجات وعيه{[24500]} ، ثم علل ذلك مرغباً مرهباً بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } أي أحوالها من سرائرها{[24501]} وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها لم تبرز{[24502]} إلى الوجود ، وعلانيتها وإن كان صاحبها قد نسيها{[24503]} .


[24493]:في ظ: تذكير.
[24494]:في ظ: لم يجمع.
[24495]:في ظ: به.
[24496]:من ظ، وفي الأصل: تذكيرا.
[24497]:في الأصل و ظ: التفاتا.
[24498]:في ظ: عزيمته.
[24499]:في ظ: الدرجات رعيه.
[24500]:في ظ: الدرجات رعيه.
[24501]:في ظ: سائرها.
[24502]:من ظ، وفي الأصل: لم تبرزه.
[24503]:في ظ: كسبها.