في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

172

والرسول [ ص ] وهو من هو ؛ وقربه من ربه هو قربه ، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، لأنه لا يطلع على الغيب ، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب ، ولا يرى مآل أفعاله ؛ ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيراً أقدم ، وإن رآها سوءاً أحجم . إنما هو يعمل ، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون :

( قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) . .

وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق ، من الشرك في أية صورة من صوره . وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها . ولو كان هذا البشر محمداً رسول الله وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات الله وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية ، ويقف العلم البشري . وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله [ ص ] وتتحدد وظيفته :

( إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ) . .

والرسول [ ص ] نذير وبشير للناس أجمعين . ولكن الذين( يؤمنون )هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة ؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه ؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به . ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها ، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين . .

إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها ، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها ، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه ، ولا يكشف أسراره ، ولا يعطي ثماره ، إلا لقوم يؤمنون . ولقد ورد عن بعض صحابة رسول الله [ ص ] : كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن . . وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق ، ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك ، ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان .

لقد كان ذلك الجيل المتفرد يجد من حلاوة القرآن ، ومن نوره ، ومن فرقانه ، ما لا يجده إلا الذين يؤمنون إيمان ذلك الجيل . ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان ، لقد كان الإيمان هو الذي فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان !

لقد عاشوا بهذا القرآن ، وعاشوا له كذلك . . ومن ثم كانوا ذلك الجيل المتفرد الذي لم يتكرر - بهذه الكثرة وبهذا التوافي على ذلك المستوى - في التاريخ كله . . اللهم إلا في صورة أفراد على مدار التاريخ يسيرون على أقدام ذلك الجيل السامق العجيب !

لقد خلصوا لهذا القرآن فترة طويلة من الزمان ، فلم تشب نبعه الرائق شائبة من قول البشر ، اللهم إلا قول رسول الله [ ص ] وهديه . . وقد كان من نبع القرآن ذاته كذلك . . ومن ثم كان ذلك الجيل المتفرد ما كان .

وما أجدر الذين يحاولون أداء ما أداه ذلك الجيل أن ينهجوا نهجه ، فيعيشوا بهذا القرآن ولهذا القرآن فترة طويلة من الزمان ، لا يخالط عقولهم وقلوبهم غيره من كلام البشر ليكونوا كما كان !

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

شرح الكلمات :

{ الغيب } : الغيب ما غاب عن حواسنا وعن عقولنا فلم يدرك بحاسة ولا يعقل .

والمراد به هنا ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد .

{ السوء } : كل ما يسوء العبد في روحه أبو بدنه .

{ إن أنا إلا نذير } : أي ما أنا إلا نذير وبشير فلست بإله يدبر الأمر ويعلم الغيب .

المعنى :

أما الآية الثانية ( 188 ) فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك السائلين عن الساعة متى وقت مجيئها { لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } خيراً ولا شراً { إلا ما شاء الله } شيئاً من ذلك فإنه يُعينُني على جلبه أو على دفعه فكيف إذاً أعلم وقت مجيء الساعة حتى تسألوني عنها { ولو كنت أعلم الغيب } كما تظنون لاستكثرت من الخيرات وما مسني السوء . وذلك أني إذا عرفت متى الخصب ومتى الجدب ، ومتى الغلاء ومتى الرخاء يمكنني بسهولة أن أستكثر من الخير عند وجوده ، وأتوقى الشر وأدفعه قبل حصوله ، يا قوم إنما أنا نذير بعواقب الشرك والمعاصي بشير بنتائج الإِيمان والتوحيد والعمل الصالح فلست بإله أعلم الغيب ، ووظيفتي هذه صراحة هي البشارة والنذارة ينتفع بها المؤمنون خاصة معنى قوله تعالى { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } .

الهداية

من الهداية :

- استأثر الله بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله ، ومَنْ علَّمه الله شيئاً منه علم كما علم نبيه صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات ، والمعلم بالشيء لا يقال فيه يعلم الغيب وإنما يقال علَّمه ربه غيب كذا وكذا فعلمه .

- إذا كان الرسول لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فيكف يطلب منه ذلك وإذ كان الرسول لا يملك فهل من دونه من العباد يملك ؟ إذا عرفت هذا ظهر لك ضلال أقوام يدعون الموتى سائلين ضارعين عند قبورهم ويقولون أنهم لا يدعونهم ولكن يتوسلون بهم فقط .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (188)

ولما كان علم الغيب ملزوماً لجلب الخير ودفع الضير ، وكانت الساعة أدق علم الغيب ، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص ، وقدم النفع لأنه أهم إلى النفس ، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة يونس عليه السلام{[34279]} ، فقال آمراً بإظهار ذل العبودية : { قل لا أملك } أي في وقت من الأوقات أصلاً { لنفسي نفعاً } أي شيئاً من جلب النفع قليلاً ولا كثيراً { ولا ضراً } كذلك ، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل ، وكل من كان عبداً كان كذلك .

ولما كان من المعلوم بل المشاهد أن كل حيوان يضر وينفع ، أعلم أن ذلك إنما هو بالله فقال : { إلا ما شاء الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد سواه أن يقدرني{[34280]} عليه .

ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها{[34281]} من المغيبات جهل منهم ، لأن حاله واضح{[34282]} في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم الغيب ، دل عليه بقوله : { ولو كنت } أي من ذاتي { أعلم الغيب } أي جنسه { لا ستكثرت } أي أوجدت لنفسي كثيراً { من الخير } باستجلاب المنافع بنصب أسبابها .

ولما كان الضر لا يحتمل منه شيء قال : { وما مسني السوء } أي هذا الجنس بإقامة الموانع له عني لأن {[34283]}من لازم{[34284]} إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن شاء الله تعالى في سورة طه ، ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله ، ختم الآية ببيان رتبته ، فقال قالباً ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله{[34285]} : " {[34286]}يا بني{[34287]} عبد مناف ! اتقوا الله ، يا بني فلان يا بني فلان " وكذا ما لزم عن إلزامهم له بعلم الساعة من أنه يكون إلهاً{[34288]} : { إن أنا إلا } ولما كانت السورة للإنذار ، قدمه فقال : { نذير } أي مطلقاً للكافر ليرجع عن كفره ، والمؤمن ليثبت{[34289]} على إيمانه { وبشير لقوم يؤمنون* } أي خاصة ، أو الصفتان لهم خاصة بالنظر إلى النفع ، وأما ما لا نفع فيه فعدم .


[34279]:- راجع آية 49.
[34280]:- من ظ، وفي الأصل: يقدر.
[34281]:- من ظ، وفي الأصل: غيره.
[34282]:- من ظ، وفي الأصل: واضع.
[34283]:- في ظ: الملازم.
[34284]:- في ظ: الملازم.
[34285]:- في ظ: يقول.
[34286]:- في الأصل: يا يعني، وفي ظ: يا-كذا.
[34287]:- في الأصل: يا يعني، وفي ظ: يا-كذا.
[34288]:- زيد من ظ.
[34289]:- من ظ، وفي الأصل: فيثبت.