في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

وأهم من هذا كله ، أو القاعدة لهذا كله . . الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها ، وتتوارى الأوهام وهي شتى ، ويخلو القلب إلى الله وحده . لا يجد سندا إلا سنده . وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات ، وتتفتح البصيرة ، وينجلي الأفق على مد البصر . . لا شيء إلا الله . . لا قوة إلا قوته . . لا حول إلا حوله . . لا إرادة إلا إرادته . . لا ملجأ إلا إليه . . وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح . .

والنص القرآني هنا يصل بالنفس إلى هذه النقطة على الأفق :

( وبشر الصابرين . الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ) . .

إنا لله . . كلنا . . كل ما فينا . . كل كياننا وذاتيتنا . . لله . . وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير . . التسليم . . التسليم المطلق . . تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجها لوجه بالحقيقة الوحيدة ، وبالتصور الصحيح .

هؤلاء هم الصابرون . . الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل . .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ} (156)

{ إنا لله } اللام للملك والمالك يفعل في ملكه ما يشاء .

{ راجعون } تذكروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدنيا ، وفي الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أصابته مصيبة فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها أخلف الله له خيرا مما أصابه . قالت أم سلمة فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك فأبدلني الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

فائدة : ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعا ، وذلك لعظمة موقعه في الدين ، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره ، لقوله تعالى :{ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }[ الزمر :10 ] .

وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة :

أولها : المحبة ، قال :{ والله يحب الصابرين }[ آل عمران :146 ] .

والثاني : النصر ، قال :{ إن الله مع الصابرين } .

والثالث : غرفات الجنة ، قال :{ يجزون الغرفة بما صبروا }[ الفرقان :75 ] . والرابع : الأجر الجزيل ، قال :{ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب }[ الزمر :10 ] .

والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية ، ففيها البشارة ، قال :{ وبشر الصابرين } ، والصلاة ، والرحمة ، والهداية :{ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } .

والصابرون على أربعة أوجه :

صبر على البلاء ، وهو منع النفس من التسخيط والهلع والجزع .

وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر ، وعدم الطغيان ، وعدم التكبر بها . وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها .

وصبر عن المعاصي بكف النفس عنها .

وفوق الصبر التسليم وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا ، وترك الكراهة باطنا .

وفوق التسليم الرضا بالقضاء ، وهو سرور النفس بفعل الله وهو صادر عن المحبة ، وكل ما يفعل المحبوب محبوب .