في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

ويسدل الستار على هذا المشهد . ثم يرفع لنسمع الجدل حول أصحاب الكهف - على عادة الناس يتناقلون الروايات والأخبار ، ويزيدون فيها وينقصون ، ويضيفون إليها من خيالهم جيلا بعد جيل ، حتى تتضخم وتتحول ، وتكثر الأقاويل حول الخبر الواحد أو الحادث الواحد كلما مرت القرون :

( سيقولون : ثلاثة رابعهم كلبهم ، ويقولون : خمسة سادسهم كلبهم - رجما بالغيب ، ويقولون : سبعة وثامنهم كلبهم . قل : ربي أعلم بعدتهم . ما يعلمهم إلا قليل . فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ، ولا تستفت فيهم منهم أحدا ) . .

فهذا الجدل حول عدد الفتية لا طائل وراءه . وإنه ليستوي أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة ، أو أكثر . وأمرهم موكول إلى الله ، وعلمهم عند الله . وعند القليلين الذين تثبتوا من الحادث عند وقوعه أو من روايته الصحيحة . فلا ضرورة إذن للجدل الطويل حول عددهم . والعبرة في أمرهم حاصلة بالقليل وبالكثير . لذلك يوجه القرآن الرسول [ ص ] إلى ترك الجدل في هذه القضية ، وإلى عدم استفتاء أحد من المتجادلين في شأنهم . تمشيا مع منهج الإسلام في صيانة الطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيد . وفي ألا يقفو المسلم ما ليس له به علم وثيق . وهذا الحادث الذي طواه الزمن هو من الغيب الموكول إلى علم الله ، فليترك إلى علم الله .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا} (22)

{ سيقولون ثلاثة . . . } سيختلف الناس في عدة أصحاب الكهف فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أقوال لا غير . فدل على أنه لا قائل برابع ، وأتبع القولين الأولين – وهما لغير المؤمنين – بقوله : { رجما بالغيب } أي قولا بلا علم ولا إطلاع ، فدل على بعدها عن الصواب . وحكى الثالث – وهو للمؤمنين – وأعقبه بقوله : { وثامنهم كلبهم } فدل على أنه الواقع في نفس الأمر ، وإنما استفيد منه التقرير ، لأن الكلام قد تم عند قوله : { ويقولون سبعة } ثم عطف عليه قوله : { وثامنهم كلبهم } والثامن لا يكون ثامنا إلا بعد سابع ، فكأنه قيل : هم سبعة وثامنهم كلبهم . { رجما بالغيب } أي يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم ، الذي لا مطلع لهم عليه ويأتون به . والرجم في الأصل : الرمى بالرجم ، وهو الحجارة الصغيرة ، استعير للتكلم بما لا علم به ، ولا إطلاع عليه بخفاءه ، تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب المرمى . { قل ربي أعلم بعدتهم } أي أقوى وأقدم في العلم بها . وفيه إرشاد إلى أن الأفضل في مثل هذا رد العمل إليه تعالى ، وعدم الخوض فيهن فإذا أطلعنا الله على أمره قلنا به ، وإلا وقفنا . وثبوت الأعلمية له تعالى لا ينافي علم قليل من الناس به ، وهو قوله تعالى : { ما يعلمهم إلا قليل } أي ما يعلم عدتهم إلا قليل من الناس ، والأكثرون لا يعلمونها . { فلا تمار فيهم } أي فلا تجادل في شأن أصحاب الكهف أحدا من الخائضين فيه { إلا مراء ظاهرا } واضحا بذكر ما قصصنا عليك من شأنهم ولا تزد عليه . يقال : ماراه مراء ، جادله . { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } فإن فيما أوحينا إليك لمندوحة عن غيره .