في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة مكية بجملتها ، نزلت بعد سورة يوسف ، في الفترة الحرجة ، ما بين " عام الحزن " وعام الهجرة . . تلك الفترة التي تحدثنا عن طبيعتها وملابساتها ومعالمها من قبل في تقديم سورة يونس وفي تقديم سورة هود وفي تقديم سورة يوسف بما فيه الكفاية . .

وهذه السورة عليها طابع هذه الفترة ، وحاجاتها ومقتضياتها الحركية . . إنها تواجه واقع تلك الفترة مواجهة حركية ؛ وتوجه الرسول [ ص ] والجماعة المسلمة معه ، توجيها واقعيا مباشرا وتجاهد المكذبين جهادا كبيرا . كما هي طبيعة هذا القرآن ووظيفته .

ولما كانت حركة الدعوة في تلك الفترة تكاد تكون قد تجمدت ، بسبب موقف قريش العنيد منها ومن النبي [ ص ] والعصبة المؤمنة معه ؛ حيث اجترأت قريش على رسول الله [ ص ] بما لم تكن تجترئ عليه في حياة أبي طالب . واشتد استهزاؤها بدعوته ؛ كما اشتد إيذاؤها لصحابته . . فقد جاء القرآن الكريم في هذه الفترة يهدد المشركين المكذبين ويتوعدهم ؛ ويعرض عليهم مصارع المكذبين الغابرين ومصائرهم ؛ ويكشف للرسول [ ص ] عن علة تكذيبهم وعنادهم ؛ وهي لا تتعلق به ولا بالحق الذي معه ، لكنها ترجع إلى العناد الذي لا تجدي معه الآيات البينات . ومن ثم يسلي الرسول [ ص ] ويواسيه ؛ ويوجهه إلى الإصرار على الحق الذي معه ؛ والصدع به بقوة في مواجهة الشرك وأهله ؛ والصبر بعد ذلك على بطء الاستجابة ووحشة العزلة ، وطول الطريق !

ومن هنا تلتقي هذه السورة في وجهتها وفي موضوعها وفي ملامحها مع بقية السور التي نزلت في تلك الفترة ؛ وتواجه مثلها مقتضيات تلك الفترة وحاجاتها الحركية . أي الحاجات والمقتضيات الناشئة من حركة الجماعة المسلمة بعقيدتها الإسلامية في مواجهة الجاهلية العربية في تلك الفترة من الزمان بكل ملابساتها الواقعية . ومن ثم تواجه حاجات الحركة الإسلامية ومقتضياتها كلما تكررت هذه الفترة ، وذلك كالذي تواجهه الحركة الإسلامية الآن في هذا الزمان .

ونحن نؤكد على هذه السمة في هذا القرآن . . سمة الواقعية الحركية . . لأنها في نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب وفهمه وفقهه وإدراك مراميه وأهدافه . .

إنه لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبتنزول النص القرآني . . لا بد من هذا لإدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته ؛ ولرؤية حيويته وهو يعمل في وسط حي ؛ ويواجه حالة واقعة ؛ كما يواجه أحياء يتحركون معه أو ضده . وهذه الرؤية ضرورية لفقه أحكامه وتذوقها ؛ كما هي ضرورية للانتفاع بتوجيهاته كلما تكررت تلك الظروف والملابسات في فترة تاريخية تالية ، وعلى الأخص فيما يواجهنا اليوم ونحن نستأنف الدعوة الإسلامية .

نقول هذه المقالة ونحن على يقين أنه لن يرى هذه الرؤية اليوم إلا الذين يتحركون فعلا بهذا الدين في مواجهة الجاهلية الحاضرة ؛ ومن ثم يواجهون أحوالا وملابسات وظروفا وأحداثا كالتي كان يواجهها صاحب الدعوة الأولى - صلوات الله وسلامه عليه - والعصبة المسلمة معه . . من الإعراض والتولي عن هذا الدين في حقيقته الكبيرة الشاملة ؛ التي لا تتحقق إلا بالدينونة الكاملة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة الاعتقادية والأخلاقية والتعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية . . وما يلقونه كذلك من الإيذاء والمطاردة والتعذيب والتقتيل كالذي كانت تلك العصبة المختارة الأولى تبتلى - في سبيل الله - به . .

إن هؤلاء الذين يتحركون بهذا الدين في مواجهة الجاهلية ؛ ويواجهون به ما كانت تواجهه الجماعة المسلمة الأولى . . هم وحدهم الذين يرون تلك الرؤية . . وهم وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن ؛ ويدركون الأبعاد الحقيقية لمدلولات نصوصه . على النحو الذي أسلفنا . . وهم وحدهم الذين يملكون استنباط فقه الحركة الذي لا يغني عنه فقه الأوراق ، في مواجهة الحياة المتحركة التي لا تكف عن الحركة !

وبمناسبة هذه الإشارة إلى فقه الحركة نحب أن نقرر أن الفقه المطلوب استنباطه في هذه الفترة الحاضرة هو الفقه اللازم لحركة ناشئة في مواجهة الجاهلية الشاملة . حركة تهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، ومن الجاهلية إلى الإسلام ؛ ومن الدينونة للعباد إلى الدينونة لرب العباد ؛ كما كانت الحركة الأولى - على عهد محمد [ ص ] - تواجه جاهلية العرب بمثل هذه المحاولة ؛ قبل أن تقوم الدولة في المدينة ؛ وقبل أن يكون للإسلام سلطان على أرض وعلى أمة من الناس .

نحن اليوم في شبه هذا الموقف لا في مثله ، وذلك لاختلاف بعض الظروف والملابسات الخارجية . . نحن نستهدف دعوة إلى الإسلام ناشئة في مواجهة جاهلية شاملة . . ولكن مع اختلاف في الملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية للحركة . . وهذا الاختلاف هو الذي يقتضي " اجتهادا " جديدا في " فقه الحركة " يوائم بين السوابق التاريخية للحركة الإسلامية الأولى وبين طبيعة الفترة الحاضرة ومقتضياتها المتغيرة قليلا أو كثيرا . .

هذا النوع من الفقه هو الذي تحتاج إليه الحركة الإسلامية الوليدة . . أما الفقه الخاص بأنظمة الدولة ، وشرائع المجتمع المنظم المستقر ، فهذا ليس أوانه . . . إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم ، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي ! . . هذا النوع من الفقه يأتي في حينه ؛ وتفصل أحكامه على قد المجتمع المسلم حين يوجد ؛ ويواجه الظروف الواقعية التي تكون محيطة بذلك المجتمع يومذاك !

إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ ولا تستنبت بذوره في الهواء !

ونعود إلى استكمال الحديث عن موضوعات السورة :

محور هذه السورة الأول : هو إبراز طبيعة المكذبين بهذا الدين ودوافعهم الأصيلة للتكذيب ، وتصوير المصير المخوف الذي ينتظر الكافرين المكذبين . . وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات ، متنوعةالموضوع والمجال ، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل . سواء في ذلك القصة ، ومشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه .

وإذا كان جو سورة الرعد يذكر بجو سورة الأنعام . فإن جو هذه السورة - الحجر - يذكر بجو سورة الأعراف . - وابتداؤها كان بالإنذار ، وسياقها كله جاء مصداقا للإنذار - فهنا كذلك في سورة الحجر يتشابه البدء والسياق ، مع اختلاف في الطعم والمذاق !

إن الإنذار في مطلع سورة الأعراف صريح :

كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين . اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ، قليلا ما تذكرون . وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا الا أن قالوا : إنا كنا ظالمين . .

ثم ترد فيها قصة آدم وابليس ويتابعها السياق حتى تنتهي الحياة الدنيا ، ويعود الجميع إلى ربهم ، فيجدوا مصداق النذير . . ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون : السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم مسخرات بأمره ، والرياح والسحاب والماء والثمرات . . ويلي ذلك قصص قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى : وكلها تصدق النذير . .

وهنا في سورة الحجر يجيء الإنذار كذلك في مطلعها ، ولكن ملفعا بظل من التهويل والغموض يزيد جوها رهبة وتوقعا للمصير :

( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون . وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون )

ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون : السماء وما فيها من بروج ، والأرض الممدودة والرواسي الراسخة ، والنبت الموزون ، والرياح اللواقح ، والماء والسقيا ، والحياة والموت والحشر للجميع . . يلي ذلك قصة آدم وإبليس ، منتهية بمصير أتباعه ومصير المؤمنين . . ومن ثم لمحات من قصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح منظورا فيها إلى مصائر المكذبين ، وملحوظا فيها أن مشركي العرب يعرفون الآثار الدارسة لهذه الأقوام ، وهم يمرون عليها في طريقهم إلى الشام .

فالمحور في السورتين واحد ، ولكن شخصية كل منهما متميزة ؛ وإيقاعهما يتشابه ولا يتماثل ، على عادة القرآن الكريم في تناوله لموضوعاته الموحدة ، بطرق شتى ، تختلف وتتشابه ، ولكنها لا تتكرر أبدا ولا تتماثل !

ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى خمس جولات ، أو خمسة مقاطع ، يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا :

تتضمن الجولة الأولى بيان سنة الله التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب . مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفع بالتهويل :

( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) .

ومنتهية بأن المكذبين إنما يكذبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان :

( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا : إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ! ) . . وأنهم جميعا من طراز واحد :

ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . كذلك نسلكه في قلوب المجرمين . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين . .

وتعرض الجولة الثانية بعض آيات الله في الكون : في السماء وفي الأرض وما بينهما . وقد قدرت بحكمة ، وأنزلت بقدر :

( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون . وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين . وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم . وأرسلنا الرياح لواقح ، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين ) . .

وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم : ( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون . ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين . وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم ) . .

أما الجولة الثالثة فتعرض قصة البشرية وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصيلة ، ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين . وذلك في خلق آدم من صلصال من حمأ مسنون والنفخ من روح الله في هذا الطين . ثم في غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاوين دون المخلصين .

والجولة الرابعة في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح ، مبدوءة بقول الله : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم . وأن عذابي هو العذاب الأليم ثم يتتابع القصص ، يجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط ، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح . . ملحوظا في هذا القصص أنه يعرض على قريش مصارع أقوام يمرون على أرضهم في طريقهم إلى الشام ويرون آثارهم :

( إن في ذلك لآيات للمتوسمين . وإنها لبسبيل مقيم ) . .

أما الجولة الخامسة والأخيرة فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض المتلبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب ، المتصل بدعوة الرسول [ ص ] فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله ، وللبدء والمصير : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل . إن ربك هو الخلاق العليم . ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم . . )إلى آخر السورة . .

بسم الله الرحمن

هذا المقطع الأول في سياق السورة ، يتحدث عن طبيعة الكتاب الذي يكذب به المشركون . . ويهددهم بيوم يتمنون فيه لو كانوا مسلمين ! كما يكشف لهم عن سبب إرجاء هذا اليوم عنهم ، فهو موقوت بأجل معلوم . . ويذكر تحدياتهم واستهزاءهم وطلبهم الملائكة ، ثم يهددهم بأن نزول الملائكة يكون معه الهلاك والتدمير ! وأخيرا يكشف عن العلة الحقيقية للتكذيب . . إنها ليست نقص الدليل ولكنه العناد الأصيل ! . .

ألف . لام . را . . تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ) . .

هذه الأحرف ونظائرها هي الكتاب وهي القرآن . هذه الأحرف التي في متناول الجميع ، هي ( تلك ) الآيات العالية الأفق البعيدة المتناول ، المعجزة التنسيق . هذه الأحرف التي لا مدلول لها في ذاتها هي القرآن الواضح الكاشف المبين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الحجر

سورة الحجر مكية ، عدد آياتها تسع وتسعون ، وسميت سورة الحجر لقوله تعالى { ولقد كذّب أصحاب الحجر المرسلين } .

ومناسبتها للسورة التي قبلها أنها افتتحت بمثل ما افتتحت به سورة إبراهيم من وصف الكتاب المبين ، وشرحت أحوال الكفار يوم القيامة وتمنيهم لو كانوا مسلمين ، وإن في كل من السورتين وصف السموات والأرض ، وقصصا مفصلا عن إبراهيم عليه السلام ، كما أن في كل منهما تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بذكر ما لاقاه الرسل السالفون من أممهم وكانت العاقبة للمتقين .

وقد ابتدأت بالحروف الصوتية تنبيها إلى أن القرآن مكون من الحروف التي تتكون منها الكلمات العادية ، ومع ذلك فهو معجز ، لأنه منزل من عند الله تعالى .

والسورة الكريمة تبين العبر بما نزل بالأمم السابقة والإشارة إلى أخبار الأنبياء السابقين ، وتشير إلى آيات الله في الكون ، من سماء مرفوعة ذات بروج محفوظة ، وأرض ممهدة مبسوطة ، وجبال راسيات ، ورياح حاملة للماء ، وما يلقح الأشجار . وتشير إلى المعركة الأولى في الخليقة بين إبليس وآدم وزوجته ، واستمرار هذه المعركة بين الخير والشر إلى أن تنتهي هذه الدنيا . ثم تذكر عاقبة الخير والشر يوم القيامة . وبعد ذلك يقص الله سبحانه قصص النبيين إبراهيم ولوط ، وأصحاب الحجر ، وتشير إلى منزلة القرآن ، وحال المشركين في تلقيه ، وما يجب على النبي إزاء جحودهم ، وهو أن يعلن رسالته ، ويجهر بها ويعبد الله حتى يأتيه الأمر اليقين .

ومحور السورة هو إبراز المصير المخوف الذي ينتظر الكافرين المكذبين . وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات ، متنوعة الموضوع والمجال ، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل .

ويمكن تقسيم سياق السورة إلى خمس جولات أو مقاطع يتضمن كل منها موضوعا :

الأول : بيان أن سنة الله التي لا تتخلف ، في الرسالة ، والإيمان بها ، والتكذيب .

والثاني : يتضمن بعض آيات الله في الكون : في السماء وفي الأرض

وما بنيهما ، وكل شيء قدِّر بحكمه وأنزل بقدر .

والثالث : يعرض لقصة البشرية وأصل الهدى والغواية وتركيبها وأسبابها الأصيلة ومصير المهتدين والغاوين . . . وذلك في خلق آدم من الطين ، والنفخ من روح الله في هذا الطين ، ثم في غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاويين دون المخلصين .

والرابع : في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح . ثم يتابع القصص ، ويجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط ، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح .

وأما المقطع الخامس والأخير فيكشف عن الحق الكامن في خلق هذا الكون بجميع ما فيه ، المتلبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب ، المتصل بدعوة الرسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه ، فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله وللبدء والمصير .

وتشتمل السورة على الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام بالجهر بالدعوة بقوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } حيث كان الرسول الكريم يدعو سرّاً في أول الأمر ، وبعدها خرج للناس وأظهر الدعوة .

ومن غرر الآيات فيها قوله تعالى : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه . . . الآية } وقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .

بسم الله الرحمان الرحيم

ألف ، لام ، را . . . من هذه الأحرف تتألف آيات الكتاب المعجزة ، وهي القرآن الواضح المبين الذي يبَين لمن تأملَه وتدبَّره رُشدَه وهُداه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ} (1)

مقدمة السورة:

بيان إجمالي للسورة

هذه السورة مكية كلها . وفيها من المعاني والآيات والعبر ما فيه بالغ الموعظة والمزدجر ؛ فقد تضمنت السورة الحديث عن خلق آدم من طين ، وعن سجود الملائكة تكريما له وإذعانا لرب العالمين . وفيها من الحديث عن حال المؤمنين الذين فازوا بدخول الجنة ، وحال الظالمين الذين هووا في النار ؛ ما يستوجب دوام الرجاء والدعاء أن يكتب الله السلامة والنجاة من العقاب ، والفوز بالرضوان والجنة .

وفي السورة قصص عن بعض النبيين وأقوامهم المشركين كقوم لوط ، وأصحاب الأيكة ، وقوم صالح وهم أصحاب الحجر . أولئك كانوا من الخاسرين الذين دمر الله عليهم في الدنيا أشد تدمير ثم أفضوا بعد ذلك إلى بئس المصير . وغير ذلك من المعاني والمواقف والحقائق والعبر التي تضمنها السورة مما فيه عظيم البلاغ والاعتبار .

بسم الله الرحمان الرحيم

{ آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ( 1 ) ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ( 2 ) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ( 3 ) } تقدم الحديث عن مثل هذه الحروف من فواتح بعض السور .

وأما الإشارة ( تلك ) فهي إلى ما تضمنته السورة من الآيات ؛ أي أن هذه الآيات هي آيات الكتاب ، وآيات قرأن مبين . وبعبارة أخرى : فالمعنى هو أن هذه الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل وهو القرآن الواضح المستبين لكل متدبر معتبر .