في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

41

ويعود السياق فيؤكد هذه الحقيقة ، ويزيدها وضوحا . فالنص الأول : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) . . قد يعني النهي عن ترك شريعة الله كلها إلى أهوائهم ! فالآن يحذره من فتنتهم له عن بعض ما أنزل الله إليه :

( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) . .

فالتحذير هنا أشد وأدق ؛ وهو تصوير للأمر على حقيقته . . فهي فتنة يجب أن تحذر . . والأمر في هذا المجال لا يعدو أن يكون حكما بما أنزل الله كاملا ؛ أو أن يكون اتباعا للهوى وفتنة يحذر الله منها .

ثم يستمر السياق في تتبع الهواجس والخواطر ؛ فيهون على رسول الله [ ص ] أمرهم إذا لم يعجبهم هذا الاستمساك الكامل بالصغيرة قبل الكبيرة في هذه الشريعة ، وإذا هم تولوا فلم يختاروا الإسلام دينا ؛ أو تولوا عن الاحتكام إلى شريعة الله [ في ذلك الأوان حيث كان هناك تخيير قبل أن يصبح هذا حتما في دار الإسلام ] :

( فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم . وإن كثيرا من الناس لفاسقون )

فإن تولوا فلا عليك منهم ؛ ولا يفتنك هذا عن الاستمساك الكامل بحكم الله وشريعته . ولا تجعل إعراضهم يفت في عضدك أو يحولك عن موقفك . . فإنهم إنما يتولون ويعرضون لأن الله يريد أن يجزيهم على بعض ذنوبهم . فهم الذين سيصيبهم السوء بهذا الإعراض : لا أنت ولا شريعة الله ودينه ؛ ولا الصف المسلم المستمسك بدينه . . ثم إنها طبيعة البشر : ( وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) فهم يخرجون وينحرفون . لأنهم هكذا ؛ ولا حيلة لك في هذا الأمر ، ولا ذنب للشريعة ! ولا سبيل لاستقامتهم على الطريق !

وبذلك يغلق كل منافذ الشيطان ومداخله إلى النفس المؤمنة ؛ ويأخذ الطريق على كل حجة وكل ذريعة لترك شيء من أحكام هذه الشريعة ؛ لغرض من الأغراض ؛ في ظرف من الظروف . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ} (49)

أن يفتنوك : أن يميلوا بك من الحق إلى الباطل .

نحن نأمرك أيها الرسول ، أن تحكم بينهم وفق شريعتك التي أنزلناها عليك ، فلا تتبع رغباتهم أبداً ، ولو لمصحلة في ذلك ، كتأليف قلوبهم وجذبهم إلى الإسلام . فالحق لا يوصل إليه بطريق الباطل . واحذَرهم أن يميلوا بك من الحق إلى الباطل ، كأن يصرفوك عما أُنزل إليك لتحكم بغيره .

أَخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من زعماء اليهود : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه . فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم ، وأنّا إن اتّبعناك اتبَعنا اليهودَ ولم يخالفونا . وأن بيننا وبين قومنا خصومةً ، فنخاصمهم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن لك ونصدّقك . فأبى الرسول ذلك ، فأنزل الله عز وجل فيهم { وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله . . . . } الآية .

فإن أعرضوا عن حكمك يا محمد ، بعد تحاكُمهم إليك ، فاعلم أن الله إنما يريد أن يصيبهم بفساد أمورهم ، لفسادِ نفوسهم ، بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها ، ثم يجازيهم على أعمالهم في الآخرة .

وهذا النص يسمو بالشرع الإسلامي عن غيره ، في الحكم بين الناس :

أولا- لأنه يسمو بالأحكام العادلة عن أن تكون تابعة لأوضاع الناس ، فهي حاكمة على أوضاع الناس بالخير والشر .

وثانيا : لأنه جعل باب القانون في الدولة واحداً لكل الناس ولكل الطبقات .