في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

103

ثم نعود إلى سياق القصة القرآني . . حيث يرفع الستار عن مشهد رابع جديد . . إنه مشهد التآمر والتناجي بالإثم والتحريض . بعد الهزيمة والخذلان في معركة الإيمان والطغيان . مشهد الملأ من قوم فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجياً والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم . كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم ، وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه ؛ ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم ؛ من ضياع الهيبة والسلطان ؛ باستشراء العقيدة الجديدة ، في ربوبية الله للعالمين . فإذا هو هائج مائج ، مهدد متوعد ، مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه ، وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه !

( وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ؟ قال : سنقتل أبناءهم ، ونستحيي نساءهم ، وإنا فوقهم قاهرون ) . .

إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره ؛ أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية . إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ؛ وأنه بإرادته وأمره تمضي الشئون وتقضى الأمور . وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه ، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك ، كما هو ظاهر من قول الملأ له : ( ويذرك وآلهتك ) وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية . إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم ، لا يعصون له أمراً ، ولا ينقضون له شرعاً . . وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة . . فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه ، وذلك هو تفسير رسول الله [ ص ] لقوله تعالى عن اليهود والنصارى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . . . الآية عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانياً جاء ليسلم - فقال : يا رسول الله ماعبدوهم . فقال له رسول الله [ ص ] : " بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ؛ فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم " . . . [ أخرجه الترمذي ] .

أما قول فرعون لقومه : ( ما علمت لكم من إله غيري ) . . فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ، أفلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين . ولا يكاد يبين ؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ؟ . . وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك ، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة ! . وما قصد بقوله : ( ما علمت لكم من إله غيري ) إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ؛ والذي يتبعون كلمته بلا معارض ! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي ! وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم ! سواء قالها أم لم يقلها ! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون :

( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ، ويذرك وآلهتك ؟ ) . .

فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده ؛ حيث يترتب عليها تلقائياً بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله . إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض ، بقلب نظام الحكم ، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر ، وإنشاء وضع آخر مخالف تماماً لهذه الأوضاع ، الربوبية فيه لله لا للبشر . ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه . .

ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة . . بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة ! وهي بنوة ليست حسية ! فلقد كان الناس يعرفون جيداً أن الفرعون مولود من أب وأم بشريين . إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته . فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين . وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون ، فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف ؛ الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين الله الصحيح . . وذلك كما يقول الله سبحانه : ( فاستخف قومه فأطاعوه . . إنهم كانوا قوماً فاسقين ) فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ . . وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه ، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله . . فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت ، ولا يمكن أن يطيع له امراً ، وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله . . ومن هنا كان يجيء التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى - عليه السلام - إلى ( رب العالمين )وإيمان السحرة بهذا الدين ، وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين . . ومن هنا يجيء التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية الله وحده . . أو من شهادة أن لا إله إلا الله . . حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام . لا بمدلولها الباهت الهزيل الذي صار لها في هذه الأيام !

ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون ، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع :

( قال : سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) :

وكان بنو إسرائيل قد عانوا من قبل - في إبان مولد موسى - مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه كما يقول الله تعالى في سورة القصص : ( إن فرعون علا في الأرض ، وجعل أهلها شيعاً ، يستضعف طائفة منهم ، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) . .

إنه الطغيان في كل مكان وفي كل زمان . لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام . . !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

قوله تعالى : " وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض " أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل . " ويذرك " بنصب الراء جواب الاستفهام ، والواو نائبة عن الفاء . " وآلهتك " قال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام ، فكان يعبد ويعبد . قال سليمان التيمي : بلغني أن فرعون كان يعبد البقر . قال التيمي : فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا ؟ قال نعم ، إنه كان يعبد{[7294]} شيئا كان قد جعل في عنقه . وقيل : معنى " وآلهتك " أي وطاعتك ، كما قيل في قوله : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{[7295]} " [ التوبة : 31 ] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم ، فصار تمثيلا . وقرأ نعيم بن ميسرة " ويذرك " بالرفع على تقدير وهو يذرك . وقرأ الأشهب العقيلي " ويذرك " مجزوما مخفف يذرك لثقل الضمة . وقرأ أنس بن مالك " ونذرك " بالرفع والنون . أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا . وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك " وإلا هتك " ومعناه وعبادتك . وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد ، أي ويترك عبادته لك . قال أبو بكر الأنباري : فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال " أنا ربكم الأعلى{[7296]} " [ النازعات : 24 ] و " ما علمت لكم من إله غيري{[7297]} " [ القصص : 38 ] نفى أن يكون له رب مع إلاهة . فقيل له : ويذرك وإلاهتك ، بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك . وقراءة العامة " وآلهتك " كما تقدم ، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب . ودليل هذا قوله عند حضور الحمام " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل{[7298]} " [ يونس : 90 ] فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به{[7299]} بعد إغلاق باب{[7300]} التوبة . وكان قبل هذا الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز ، قاله الحسن وغيره . وفي حرف أبي " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك " . وقيل : " وإلا هتك " قيل : كان يعبد بقرة ، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها ، وقال : أنا ربكم ورب هذه . ولهذا قال : " فأخرج لهم عجلا جسدا{[7301]} " [ طه : 88 ] . ذكره ابن عباس والسدي . قال الزجاج : كان له أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ؛ ولهذا قال : " أنا ربكم الأعلى " . قال إسماعيل بن إسحاق : قول فرعون " أنا ربكم الأعلى " . يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره . وقد قيل : إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها . وقيل : أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها . قال الشاعر :

وأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أن تؤوبَا

ثم آنس قومه فقال " سنقتل أبناءهم " بالتخفيف ، قراءة نافع وابن كثير . والباقون بالتشديد على التكثير . " ونستحيي نساءهم " أي لا تخافوا جانبهم . " وإنا فوقهم قاهرون " آنسهم بهذا الكلام . ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه . وعن سعيد بن جبير قال : كان فرعون قد ملئ من موسى رعبا ، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار .


[7294]:في ز و ك: أن كان ليعبد.
[7295]:راجع ج 8 ص 199
[7296]:راجع ج 19 ص 198.
[7297]:راجع ج 14 ص 288.
[7298]:راجع ج 8 ص 337.
[7299]:من ب و ج و ز و ك.
[7300]:من ب و ج و ز و ك.
[7301]:راجع ج 11 ص 232 يلاحظ أن الآية في السامري.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} (127)

قوله تعالى : { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } الاستفهام للإنكار على فرعون من أجل تركه موسى . يعني : أتترك موسى وقومه الذين آمنوا ليفسدوا أرض مصر ، فيفسدوا عليك شعبك وخدمك ، ويثيروا في الأرض الفرقة وشتات الشمل . وقوله : { وآلهتك } أي عبادتك يعني : أتترك كذلك موسى يترك طاعتك وعبادتك . وقيل : كانت للفراعنة آلهة من الأوثان كالشمس والنجوم .

كذلك قال الأشراف المنافقون من قوم فرعون . وهذا هو دين كل بطانة فاسدة مضلة من حول الحاكم المسلط المغرور . أولئك الذين يلهثون وراء الساسة والرؤساء الطغاة نفاقا وخيانة ثم يسولون لهم قتل الصالحين من الناس الذين يؤمنون بالله ورسوله ويدعون لإعلاء كلمته ودينه في الآفاق هذا هو ديدن المنافقين المبتذلين الأنذال في كل أمة وموضع . وأولئك الذين يطوفون من حول الحاكم الفاسد الغاشم تزلفا ونفاقا ليحرضوه على إبادة الإسلام وليسولوا له التنكيل بالمسلمين وفي طليعتهم العاملون الدعاة إلى الله .

قوله : { قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم } ذلك جواب الطاغية المغرور فرعون . أجاب حاشية وزبانيته من المنتفعين ومنافقين والأنذال –وهو تنتفخ أوداجه حماقة وصلفا وغرورا- أنه سيبطش برسول الله موسى ومن معه من المؤمنين ، وسيقتل- بالتشديد للمبالغة في التقتيل- أبناءهم الذكور ويستحي نساءهم ، أي يستبقيهن في الحياة من أجل التسخير والاستمتاع .

قوله : { وإنا فوقهم قاهرون } يعني : وإنا عالون عليهم بالقهر والإذلال . كذلك كان فرعون ، يخاطب المستضعفين من قوم موسى ، وهو تحفه من حوله فئة النفاق والتزلف والتحريض من المنتفعين والأنذال ، علاوة على طبيعة هذا الحاكم الغاشم المغرور الذي طغى وتجبر على نحو ليس له في العالمين نظير . وليس أدل على ذلك من اصطناعه الإلهية لنفسه بقوله لأهل مصر من القبط { أنا ربكم الأعلى } ولفرعون من الأشباه والنظراء من الساسة والقادة المتسلطين كثيرون أولئك الذين يتعالون على عباد الله المؤمنين ، ويكلون لهم صنوف التنكيل والقهر والعذاب في كل زمان{[1502]} .


[1502]:تفسير الطبري جـ 9 ص 17، 18.