" رب " لا تدخل على الفعل ، فإذا لحقتها " ما " هيأتها للدخول على الفعل تقول : ربما قام زيد ، وربما يقوم زيد . ويجوز أن تكون " ما " نكرة بمعنى شيء ، و " يود " صفة له ، أي رب شيء يود الكافر . وقرأ نافع وعاصم " ربما " مخفف الباء . الباقون مشددة ، وهما لغتان . قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ؛ قال الشاعر :
ربَّما ضربةٍ بسيف صقيل*** بين بُصْرَى وطعنةٍ نَجْلاَءِ{[9593]}
وتميم وقيس وربيعة يثقلونها . وحكي فيها : رَُبَّمَا ورَُبَمَا ، ورُبَّتَمَا ورُبَتَمَا ، بتخفيف الباء وتشديدها أيضا{[9594]} . وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير ، أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين ، قاله الكوفيون . ومنه قول الشاعر :
ألا ربما أهدت لك العينُ نظرةً *** قُصاراك منها أنها عنك لا تُجدِي{[9595]}
وقال بعضهم : هي للتقليل في هذا الموضع ؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها ؛ لشغلهم بالعذاب ، والله أعلم . قال : " ربما يود " وهي إنما تكون لما وقع ؛ لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان . وخرج الطبراني أبو القاسم من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون : ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم ، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " ) . قال الحسن : إذا رأى المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة ومأواهم في النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين . وقال الضحاك : هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين لهم الهدي من الضلالة . وقيل : في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين .
ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى { وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب } كان كأنه قيل : ما له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بياناً يردهم ؟ فقال سبحانه باسطاً لقوله { ولينذروا به } { ربما يود } أشار تعالى بكونه مضارعاً إلى أن ودهم لذلك يكون كثيراً جداً متكرراً ، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع { الذين كفروا } أي ولو وقتاً ما والود : التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع ، وإظهار ميل الطباع له إليه ، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قاله الرماني ، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله : { لو كانوا } أي كوناً جبلياً { مسلمين * } أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره ؛ قال الرماني : والإسلام : إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره ، وإسلام الصبي إلى من يعلمه ، فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى . وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء الله من ذلك في القيامة وما قبلها ، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله{ فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا }[ إبراهيم :44 ] ، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة ، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره ، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها ، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال ، هذا - أعني التقليل - مدلول " رب " ، وقال بعضهم : إنها قد ترد للتكثير ، وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني : إنه أغلب أحوالها ، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل . ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك ، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج ، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت : من قال : إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب ، فإن قال قائل : فلم جازت في قوله { ربما يود الذين كفروا } و { رب } للتقليل ؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد ، والرجل يتهدد الرجل فيقول : لعلك ستندم على فعلك ؟ وهو لا يشك أنه يندم ، ويقول : ربما ندم الإنسان على ما صنعت ، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً ، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه ، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } انتهى .
فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط ، وذلك واقع في التهديد ، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة ، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمر لا يكون إلا كذلك ، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها ؛ قال الإمام أبو حيان : والظاهر أن ما في رب ، مهيئة ، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء ، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها ، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى . ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان ، أو لأن " ما " إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - قاله الرماني .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.