نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ} (2)

ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى { وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب } كان كأنه قيل : ما له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بياناً يردهم ؟ فقال سبحانه باسطاً لقوله { ولينذروا به } { ربما يود } أشار تعالى بكونه مضارعاً إلى أن ودهم لذلك يكون كثيراً جداً متكرراً ، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع { الذين كفروا } أي ولو وقتاً ما والود : التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع ، وإظهار ميل الطباع له إليه ، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قاله الرماني ، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله : { لو كانوا } أي كوناً جبلياً { مسلمين * } أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره ؛ قال الرماني : والإسلام : إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره ، وإسلام الصبي إلى من يعلمه ، فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى . وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء الله من ذلك في القيامة وما قبلها ، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله{ فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا }[ إبراهيم :44 ] ، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة ، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره ، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها ، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال ، هذا - أعني التقليل - مدلول " رب " ، وقال بعضهم : إنها قد ترد للتكثير ، وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني : إنه أغلب أحوالها ، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل . ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك ، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج ، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت : من قال : إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب ، فإن قال قائل : فلم جازت في قوله { ربما يود الذين كفروا } و { رب } للتقليل ؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد ، والرجل يتهدد الرجل فيقول : لعلك ستندم على فعلك ؟ وهو لا يشك أنه يندم ، ويقول : ربما ندم الإنسان على ما صنعت ، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً ، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه ، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } انتهى .

فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط ، وذلك واقع في التهديد ، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة ، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمر لا يكون إلا كذلك ، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها ؛ قال الإمام أبو حيان : والظاهر أن ما في رب ، مهيئة ، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء ، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها ، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى . ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان ، أو لأن " ما " إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - قاله الرماني .