في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا} (4)

قال : رب إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ، ولم أكن بدعائك رب شقيا . وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا ، فهب لي من لدنك وليا ، يرثني ويرث من آل يعقوب ، واجعله رب رضيا ) .

إنه يناجي ربه بعيدا عن عيون الناس ، بعيدا عن أسماعهم . في عزلة يخلص فيها لربه ، ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال : ( رب . . )بلا واسطة حتى ولا حرف النداء . وإن ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البث ، ويحتاج إلى الشكوى . والله الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر ، فيستحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم . ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق ، ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر ؛ وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه ، ولا يخيب من يتوكل عليه .

وزكريا يشكو إلى ربه وهن العظم . وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن . فالعظم هو أصلب ما فيه ، وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه . ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبا . والتعبير المصور يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأس كله كأنما لتشمله هذه النار المشتعلة ، فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد .

ووهن العظم واشتعال الرأس شيبا كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يعرض عليه حاله ورجاءه . .

ثم يعقب عليه بقوله : ( ولم أكن بدعائك رب شقيا )معترفا بأن الله قد عوده أن يستجيب إليه إذا دعاه ، فلم يشق مع دعائه لربه ، وهو في فتوته وقوته . فما أحوجه الآن في هرمه وكبرته أن يستجيب الله له ويتم نعمته عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا} (4)

قوله تعالى : { قال رب إني وهن العظم مني } فيه مسألتان{[10777]} :

الأولى-قوله تعالى : " قال رب إني وهن العظم مني " " قال رب إني وهن " قرئ " وهن " بالحركات الثلاث أي ضعف . يقال : وَهَن يهِن وَهْنًا إذا ضعف فهو واهن . وقال أبو زيد يقال : وهن يهن ووهن يوهن . وإنما ذكر العظم ؛ لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه . ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ، ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر ، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها .

الثانية-قوله تعالى : " واشتعل الرأس شيبا " أدغم السين في الشين أبو عمرو . وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب . والاشتعال انتشار شعاع النار ، شبه به انتشار الشيب في الرأس ، يقول : شخت وضعفت ، وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس . ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه السلام . " وشيبا " في نصبه وجهان : أحدهما : أنه مصدر لأن معنى اشتعل شاب ، وهذا قول الأخفش . وقال الزجاج : وهو منصوب على التمييز . النحاس : قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به . والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود .

الثالثة-قال العلماء : يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع ؛ لأن قوله تعالى : " وهن العظم مني " إظهار للخضوع . وقوله : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته ، أي لم أكن بدعائي إياك شقيا ، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك ، أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى . يقال : شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده . وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال : أنا الذي أحسنت إليه في وقت كذا ، فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا ، وقضى حاجته .


[10777]:كذا في الأصول إلا أنها ثلاث، غير:ك، ففيها مسألتان.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا} (4)

فكأنه قيل : ما ذلك الندا ؟ {[47748]}فقيل : { قال رب } بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب { إني وهن } أي ضعف جداً { العظم مني } {[47749]}أي هذا الجنس الذي{[47750]} هو أقوى ما في بدني ، {[47751]}وهو أصل بنائه{[47752]} ، فكيف بغيره ! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها{[47753]} { واشتعل الرأس } أي شعره{[47754]} مني { شيباً ولم أكن } فيما مضى قط مع صغر السن { بدعائك } {[47755]}أي بدعائي إياك{[47756]} { رب شقياً * } فأجرِني{[47757]} في هذه المرة{[47758]} أيضاً على عوائد فضلك ، {[47759]}فإن المحسن يربي{[47760]} أول إحسانه بآخره{[47761]} وإن{[47762]} كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة ، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم عليه السلام مثله ، {[47763]}فهو دعاء وشكر واستعطاف{[47764]} ؛


[47748]:زيد بعده في الأصل: قال، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[47749]:في ظ "و".
[47750]:في ظ"و".
[47751]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47752]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47753]:زيد من مد.
[47754]:سقط من ظ.
[47755]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47756]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47757]:من مد وفي الأصل وظ: فأخبرني.
[47758]:من ظ ومد وفي الأصل: المدة.
[47759]:العبارة من هنا إلى "بآخره" ساقطة من ظ.
[47760]:من مد، وفي الأصل: ربي.
[47761]:من ظ ومد وفي الأصل: فإن.
[47762]:من ظ ومد وفي الأصل: فإن.
[47763]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47764]:سقط ما بين الرقمين من ظ.