وعند هذا المقطع من قصة إبراهيم ، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه ، ليواجه بهما الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة ؛ وينازعون الرسول [ ص ] النبوة والرسالة ؛ ويجادلون في حقيقة دين الله الأصيلة الصحيحة :
( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين . إذ قال له ربه أسلم . قال : أسلمت لرب العالمين . ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . . )
هذه هي ملة إبراهيم . . الإسلام الخالص الصريح . . لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه ، سفيه عليها ، مستهتر بها . . إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماما ، وشهد له في الآخرة بالصلاح . .
قوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ، { من } استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و{ يرغب } صلة ، { من } . { إلا من سفه نفسه } في موضع الخبر . وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي ، أي وما يرغب ، قاله النحاس . والمعنى : يزهد فيها وينأى بنفسه عنها ، أي عن الملة وهي الدين والشرع . { إلا من سفه نفسه } قال قتادة : هم اليهود والنصارى ، رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى . قال الزجاج : { سفه } بمعنى جهل ، أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها . وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه . وحكى ثعلب والمبرد أن { سفه } بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها . وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة . وقال الأخفش : { سفه نفسه } أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها . وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه ، حكاه المهدوي ، والأول ذكره الماوردي . فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى ، قاله المبرد وثعلب . وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه ، فحذفت " في " فانتصب . قال الأخفش : ومثله { عقدة النكاح{[1226]} }
[ البقرة : 235 ] ، أي على عقدة النكاح . وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم : ضرب فلان الظهر والبطن ، أي في الظهر والبطن . الفراء : هو تمييز . قال ابن بحر : معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء ، فيعلم به توحيد الله وقدرته .
قلت : وهذا هو معنى قول الزجاج ، فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما ، ورجلين يمشي عليهما ، وعين يبصر بها ، وأذن يسمع بها ، ولسان ينطق به ، وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام ، ومعدة أعدت لطبخ الغذاء ، وكبد يصعد إليها صفوه ، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف ، وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن ، فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما ، وهذا معنى قوله تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات : 21 ] . أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى . وسيأتي له مزيد بيان في سورة
" والذاريات{[1227]} " إن شاء الله تعالى .
وقد استدل بهذه الآية من قال : إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها ، وهذا كقوله : " ملة أبيكم إبراهيم{[1228]} " [ الحج : 78 ] ، " أن اتبع ملة إبراهيم{[1229]} " [ النحل : 123 ] . وسيأتي بيانه .
قوله تعالى : { ولقد اصطفيناه في الدنيا } أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس والأصل في { اصطفيناه } اصتفيناه ، أبدلت التاء طاء لتناسبها{[1230]} مع الصاد في الإطباق . واللفظ مشتق من الصفوة ، ومعناه تخير الأصفى .
قوله تعالى : { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الصالح في الآخرة هو الفائز . ثم قيل : كيف جاز تقديم { في الآخرة } وهو داخل في الصلة ، قال النحاس : فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة ، فتكون الصلة قد تقدمت ، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ، ثم حذف . وقيل : { في الآخرة } متعلق بمصدر محذوف ، أي صلاحه في الآخرة . والقول الثالث : أن { الصالحين } ليس بمعنى الذين صلحوا ، ولكنه اسم قائم بنفسه ، كما يقال الرجل والغلام .
قلت : وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين ، فالكلام على حذف مضاف . وقال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ، مجازه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين . وروى حجاج بن حجاج - وهو حجاج الأسود ، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل - قال : سمعت معاوية بن قرة يقول : اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم ، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا ، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك ، وارض عنا .
ولما كان التقدير : فمن يرغب في مخالفة من يرسله من{[4974]} هو بهذه الصفة عطف{[4975]} عليه قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } المستقيم الطريقة ، الطاهر{[4976]} الخليقة ، الشفيق على ذريته ، الباني لهم أعظم المفاخر ، المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر { إلا من سفه نفسه } أي {[4977]}امتهنها واحتقرها واستخف بها ، أي فعل بها ما أدى إلى ذلك ؛ وفي{[4978]} ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب . قال الحرالي : والسفاهة خفة الرأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة ، وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة بكلية ذي النفس ، لأن من سفهت نفسُه اختص السفه بها ، ومن سفه نفسَه - بالنصب - استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته{[4979]} من جهة نفسه ، يفهم ذلك نصبها ، وذلك لأن الله عز وجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي النفس ، فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة ، ولا يُحذى{[4980]} الشر{[4981]} إلا بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه ؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة ، لأن من ألقى بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة{[4982]} من رتب الدنيا والآخرة ، فلا عذر لمن رغب عن ذلك ، لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه{ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه{[4983]} }[ الأنعام : 83 ] .
ولما كان التقدير : فلقد آتيناه من المزايا ما قدّمنا لكم مما لا يعدل{[4984]} عنه ذو مسكة عطف عليه قوله : { ولقد اصطفيناه }{[4985]} فذكره بمظهر العظمة تعظيماً له ، فإن العبد يشرف بشرف سيده ، وتشريفاً لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة{[4986]} مبدعها { في الدنيا } بما ذكرناه{[4987]} من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه ؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من اللطيف عن كثيفه{[4988]} ومكدره ، وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ما يزيد فيما أشير إليه من الشرف { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } {[4989]}وفي هذا أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من المتصفين بها ، فهو حقيق بالإمامة لعلو رتبته عند الله في الدارين ، ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه والاهتداء بهديه ، وأشد ذم لمن خالفه ؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما عندهم من العلم بأمر هذا{[4990]} النبي الكريم{[4991]} وما هو سبب له ، وإقامة للحجة{[4992]} عليهم ، لأن أكثر ذلك معطوف على { اذكروا } قوله :يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي }[ البقرة : 122 ] .