في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

99

ثم صدر الأمر إلى الخصمين اللدودين أن يهبطا إلى أرض المعركة الطويلة بعد الجولة الأولى :

( قال : اهبطا منها جميعا ، بعضكم لبعض عدو ) . .

وبذلك أعلنت الخصومة في الثقلين . فلم يعد هناك عذر لآدم وبنيه من بعده أن يقول أحد منهم إنما أخذت على غرة ومن حيث لا أدري . فقد درى وعلم ؛ وأعلن هذا الأمر العلوي في الوجود كله : ( بعضكم لبعض عدو ) !

ومع هذا الإعلان الذي دوت به السماوات والأرضون ، وشهده الملائكة أجمعون . شاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى . قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم . فأعلن لهم يوم أعلن الخصومة الكبرى بين آدم وإبليس ، أنه آتيهم بهدى منه ، فمجاز كلا منهم بعد ذلك حسبما ضل أو اهتدى :

( فإما يأتينكم مني هدى ، فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ، ونحشره يوم القيامة أعمى . قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ? قال : : كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى . وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) . .

يجيء هذا المشهد بعد القصة كأنه جزء منها ، فقد أعلن عنه في ختامها في الملأ الأعلى . فذلك أمر إذن قضي فيه منذ بعيد ولا رجعة فيه ولا تعديل .

( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) . . فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله . وهما ينتظران خارج عتبات الجنة . ولكن الله يقى منهما من اتبع هداه . والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقا في المتاع . فهذا المتاع ذاته شقوة . شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة . وما من متاع حرام ، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه . وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه . والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع الممرع ! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء . ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض ، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود ، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

قوله تعالى : " قال اهبطا منها جميعا " خطاب آدم وإبليس . " منها " أي من الجنة . وقد قال لإبليس : " اخرج منها مذؤوما مدحورا " [ الأعراف 18 ] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء ، ثم أهبط إلى الأرض . " بعضكم لبعض عدو " تقدم في " البقرة " {[11199]} أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك . وهذا يدل على أن قول " اهبطا " ليس خطابا لآدم وحواء ؛ لأنهما ما كانا متعاديين ، وتضمن هبوط آدم هبوط حواء . " فإما يأتينكم مني هدى " أي رشدا وقولا حقا تقدم في " البقرة " {[11200]} . " فمن اتبع هداي " يعني الرسل والكتب . " فلا يضل ولا يشقى " قال ابن عباس : ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ، وتلا الآية . من قرأ واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب ، ثم تلا الآية .


[11199]:راجع جـ 1 ص 319 وص 328 فما بعد.
[11200]:راجع جـ 1 ص 319 وص 328 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ} (123)

ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك ، وكان قد قدم سبحانه عنايته بآدم عليه السلام اهتماماً به ، وكان الخبر عن زوجه وعن إبليس لم يذكر ، فكانت نفس السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع بقية الخبر ، أجاب عن ذلك بأنه أهبط من داره المقدسة الحامل على المخالفة والمحمول{[50145]} وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها ، فقال على طريق الاستئناف : { قال } أي الرب الذي انتهكت حرمة داره : { اهبطا منها } أيها الفريقان : آدم وتبعه ، وإبليس { جميعاً } .

ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم بعد أكيد العهد ، حرك{[50146]} العزم وبعث الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ عنها المغالبة ، فتبعث الهمم وتثير العزائم ، فقال في جواب من كأنه قال : على أيّ حال يكون الهبوط{[50147]} : { بعضكم لبعض عدو } وهو صادق بعداوة كل من الفريقين للفريق {[50148]}الآخر : فريق إبليس - الذين{[50149]} هم الجن - بالإضلال ، وفريق الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى وغير ذلك ، وبعداوة بعض كل فريق لبعضه{[50150]} { فإما } أي فتسبب عن ذلك العلم بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز من عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي إلا اتباع أمري ، فإما{[50151]} { يأتينكم } {[50152]}أي أيها الجماعة الذين هم أضلّ ذوي الشهوات من المكلفين{[50153]} { مني هدى } تحترزون به عن استهواء العدو واستزلاله { فمن اتبع } عبر بصيغة " افتعل " التي فيها تكلف وتتميم للتبع الناشىء عن شدة الاهتمام { هداي } الذي أسعفته به من أوامر الكتاب{[50154]} والرسول المؤيد بدلالة العقل ، وللتعبير بصيغة " افتعل " قال : { فلا يضل } أي {[50155]}بسبب ذلك{[50156]} ، عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلاً { ولا يشقى* } أي في شيء من سعيه في واحدة منهما ، فإن الشقاء عقاب الضلال ، ويلزم {[50157]}من نفيه{[50158]} نفي الخوف والحزن بخلاف العكس ، فهو أبلغ{[50159]} مما في البقرة{[50160]} ، فإن{[50161]} المدعو إليه في تلك مطلق العبادة ، والمقام في هذه للخشية والبعث على الجد بالعداوة { إلا تذكرة لمن يخشى } وللإقبال على الذكر { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان { فنسي ولم نجد له عزماً{[50162]} } . قال الرازي في اللوامع : والشقاء : فراق العبد من الله ، والسعادة وصوله إليه ؛ {[50163]}وقال الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما : ضمن الله عز وجل لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة{[50164]}


[50145]:بهامش ظ: الحامل على المخالفة إبليس والمحمول آدم وزوجه.
[50146]:من ظ ومد وفي الأصل: حرام لي.
[50147]:زيد في ظ: قيل.
[50148]:ونسخة مد يعتورها من هاهنا سقطة تنتهي إلى ما نسبه عليه.
[50149]:في ظ: الذي.
[50150]:زيد في الأصل: قال ولم تكن الزيادة في ظ: فحذفناها.
[50151]:زيد من ظ.
[50152]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50153]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50154]:بهامش ظ: أعني "فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
[50155]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50156]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50157]:في ظ: منه.
[50158]:في ظ: منه.
[50159]:في ظ: انفع.
[50160]:راجع آية 38.
[50161]:في ظ: لأن.
[50162]:زيد من ظ والقرآن الكريم.
[50163]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50164]:سقط ما بين الرقمين من ظ.