وإلى جانب الدليل الكوني المستمد من طبيعة الوجود وواقعه يسألهم عن الدليل النقلي الذي يستندون إليه في دعوى الشرك التي لا تعتمد على دليل :
( أم اتخذوا من دونه آلهة ? قل : هاتوا برهانكم . هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) .
فهذا هو القرآن يشتمل على ذكر المعاصرين للرسول [ ص ] وهناك ذكر من سبقه من الرسل . وليس فيما جاءوا به ذكر الشركاء . فكل الديانات قائمة على عقيدة التوحيد . فمن أين جاء المشركون بدعوى الشرك التي تنقضها طبيعة الكون ، ولا يوجد من الكتب السابقة عليها دليل :
قوله تعالى : " أم اتخذوا من دونه آلهة " أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ ، أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والإحياء ، فتكون " أم " بمعنى هل على ما تقدم ، فليأتوا بالبرهان على ذلك . وقيل : الأول احتجاج . من حيث المعقول ؛ لأنه قال : " هم ينشرون " ويحيون الموتى ، هيهات ! والثاني احتجاج بالمنقول ، أي هاتوا برهانكم من هذه الجهة ، ففي أي كتاب نزل هذا ؟ في القرآن ، أم في الكتب المنزلة سائر الأنبياء ؟ " هذا ذكر من معي " بإخلاص التوحيد في القرآن " وذكر من قبلي " في التوراة والإنجيل ، وما أنزل الله من الكتب ؛ فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه ؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد ، وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي . وقال قتادة : الإشارة إلى القرآن ، المعنى : " هذا ذكر من معي " بما يلزمهم من الحلال والحرام " وذكر من قبلي " من الأمم ممن نجا بالإيمان وهلك بالشرك . وقيل : " ذكر من معي " بما لهم من الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر " وذكر من قبلي " من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا ، وما يفعل بهم في الآخرة . وقيل : معنى الكلام الوعيد والتهديد ، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء . وحكى أبو حاتم : أن يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف قرأ " هذا ذكر من معي وذكر من قبلي " بالتنوين وكسر الميم ، وزعم أنه لا وجه لهذا . وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة : المعنى ، هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي . وقيل : ذكر كائن من قبلي ، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي . " بل أكثرهم لا يعلمون الحق " وقرأ ابن محيصن والحسن " الحق " بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق . وعلى هذا يوقف على " لا يعلمون " ولا يوقف عليه على قراءة النصب . " فهم معرضون " أي عن الحق وهو القرآن ، فلا يتأملون حجة التوحيد .
ولما قام الدليل ، ووضح السبيل ، واضمحل كل قال وقيل ، فانمحقت الأباطيل ، قال منبهاً لهم على ذلك : { أم } أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم{[50680]} غيهم فيه فوحدوا الله أم { اتخذوا } {[50681]}ونبه{[50682]} على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبهاً لهم{[50683]} مكرراً لما مضى على وجه أعم ، طالباً البرهان تلويحاً إلى التهديد : { من دونه ءالهة } من السماء أو{[50684]} الأرض وغيرهما .
ولما كان جوابهم : اتخذنا{[50685]} ، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال : { قل هاتوا برهانكم } على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل .
ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل النقل ، أتبعه قوله {[50686]}مشيراً إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب{[50687]} : { هذا ذكر } أي موعظة وشرف{[50688]} { من معي } ممن آمن بي وقد ثبت{[50689]} أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته فانظروا هل تجدون فيه شيئاً يؤيد أمركم { وذكر } أي وهذا ذكر { من قبلي } فاسألوا أهل الكتابين هل في كتاب منهما برهان لكم .
ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلاً عن حجة اقتضى{[50690]} الحال الإعراض عنهم غضباً ، فكان كأنه قيل : لا يجدون لشيء من ذلك برهاناً { بل أكثرهم } أي هؤلاء المدعوين{[50691]} { لا يعلمون الحق } بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد{[50692]} ، {[50693]}فهم يكفرون تقليداًُ { فهم } أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم { معرضون* } عن ذكرك وذكر من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلاً باللعب فعلَ القاصر عن درجة العقل ، وبعضهم معاند مع علمه الحق ، {[50694]}وبعضهم يعلم فيفهم - كما أفهمه التقييد بالأكثر{[50695]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.