في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين ، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء . وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل ، فإذا هو زاهق . . ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون : ( ولكم الويل مما تصفون ) . .

ثم يعرض لهم نموذجا من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم . نموذجا ممن هم أقرب منهم إلى الله . ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته ، لا يفترون ولا يقصرون :

( وله من في السماوات والأرض . ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . .

ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله ، ولا يحصيهم إلا الله . والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر . والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن . ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم . وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي ، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب . وعلم ذلك عند الله .

فإذا نحن قرأنا : ( وله من في السماوات والأرض )عرفنا منهم من نعرف ، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن .

( ومن عنده )المفهوم القريب أنهم الملائكة . ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاما يشمل الملائكة وغيرهم . والمفهوم من التعبير أنهم هم الأقرب إلى الله . فكلمة " عند " بالقياس إلى الله لا تعني مكانا ، ولا تحدد وصفا .

( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته )كما يستكبر هؤلاء المشركون ( ولا يستحسرون )- أي يقصرون - في العبادة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

قوله تعالى : " وله من في السماوات والأرض " أي ملكا وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه . " ومن عنده " يعني الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله . " لا يستكبرون " أي لا يأنفون " عن عبادته " والتذلل له . " ولا يستحسرون " أي يعيون ، قاله قتادة . مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب ، [ يقال ] : حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكَلّ ، واستحسر وتحسر مثله ، وحسرته أنا حسرا يتعدى ولا يتعدى ، وأحسرته أيضا فهو حسير . وقال ابن زيد : لا يملون . ابن عباس : لا يستنكفون . وقال أبو زيد : لا يكلون . وقيل : لا يفشلون ، ذكره ابن الأعرابي ، والمعنى واحد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

ثم عطف أيضاً على ما لزم من ذلك القذف قوله : { وله من في السماوات } أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش ، وجمع السماء هنا{[50611]} لا قتضاء تعميم الملك ذلك .

ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي ، وحد فقال{[50612]} : { والأرض } أي ومن فيها{[50613]} ، وذلك شامل - على أن التعبير بمن{[50614]} لتغليب العقلاء - للسماوات والأرض ، لأن الأرض في السماوات ، وكل سماء في التي فوقها ، والعليا في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي قريباً ، فدل ذلك دلالة عقلية على أنه مالك الكل وملكه{[50615]} .

ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم{[50616]} الويل من وصفه ، خصهم بالذكر معبراً عن خصوصيتهم وقربهم بالعندية {[50617]}تمثيلاً بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان{[50618]} فقال : { ومن عنده } أي هم له{[50619]} حال كونهم { لا يستكبرون عن عبادته } بنوع كبر طلباً ولا إيجاداً { ولا يستحسرون* } أي ولا يطلبون أن ينقطعوا عن ذلك {[50620]}فأنتج ذلك قوله{[50621]} : { يسبحون } . . . ***


[50611]:سقط من ظ.
[50612]:زيد في مد: معيدا للموصول تأكيدا للإشارة إلى ما يلزمهم من ادعاء أن ما دعوه شريكا إما أن لا يكون له، وإما أن يكون المملوك شريكا. وكلاهما لا يعقل، ومن في.
[50613]:زيد من ظ.
[50614]:زيد من ظ ومد.
[50615]:زيد في ظ: ملكها.
[50616]:زيد في الأصل: من، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[50617]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[50618]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50619]:زيد من مد.
[50620]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50621]:سقط ما بين الرقمين من ظ.