ويمضي السياق بعد ذلك في استعراض القرون :
ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون . ثم أرسلنا رسلنا تترى . كلما جاء أمة رسولها كذبوه . فاتبعنا بعضهم بعضا ، وجعلناهم أحاديث . فبعدا لقوم لا يؤمنون . .
هكذا في إجمال ، يلخص تاريخ الدعوة ، ويقرر سنة الله الجارية ، في الأمد الطويل بين نوح وهود في أول السلسلة ، وموسى وعيسى في أواخرها . . كل قرن يستوفي أجله ويمضي : ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) . وكلهم يكذبون : ( كلما جاء أمة رسولها كذبوه ) . وكلما كذب المكذبون أخذتهم سنة الله : ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) . وبقيت العبرة ماثلة في مصارعهم لمن يعتبرون : ( وجعلناهم أحاديث )تتناقلها القرون .
ويختم هذا الاستعراض الخاطف المجمل باللعنة والطرد والاستبعاد من العيون والقلوب : ( فبعدا لقوم لا يؤمنون ) .
ومعنى " تترى " تتواتر ، ويتبع بعضهم بعضا ترغيبا وترهيبا . قال الأصمعي : واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا ، إلا أن بين كل كل واحد وبين الآخر مهلة . وقال غيره : المواترة التتابع بغير مهلة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " تترًى " بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التنوين على فتح الراء ، كقولك : حمدا وشكرا ، فالوقف على هذا على الألف المعوضة من التنوين . ويجوز أن يكون ملحقا بجعفر ، فيكون مثل : أرطى وعلقى ، كما قال :
يَسْتَنُّ في عَلْقىً وفي مُكُورِ
فإذا وقف على هذا الوجه جازت الإمالة ، على أن ينوي الوقف على الألف الملحقة . وقرأ ورش بين اللفظتين ، مثل سكرى وغضبى ، وهو اسم جمع ، مثل شتى وأسرى . وأصله وترى من المواترة والتواتر ، فقلبت الواو تاء ، مثل التقوى والتكلان وتجاه ونحوها . وقيل : هو[ من ]{[11666]} الوتر وهو الفرد ، فالمعنى أرسلناهم فردا فردا . النحاس : وعلى هذا يجوز " تترا " بكسر التاء الأولى ، وموضعها نصب على المصدر ؛ لأن معنى " ثم أرسلنا " واترنا . ويجوز أن يكون في موضع الحال ؛ أي : متواترين . " فأتبعنا بعضهم بعضا " أي بالهلاك . " وجعلناهم أحاديث " جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به ، كأعاجيب جمع أعجوبة ، وهي ما يتعجب منه . قال الأخفش : إنما يقال هذا في الشر " جعلناهم أحاديث " ولا يقال في الخير ، كما يقال : صار فلان حديثا أي عبرة ومثلا ، كما قال في آية أخرى : " فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق " {[11667]} [ سبأ : 19 ] .
قلت : وقد يقال فلان حديث حسن ، إذا كان مقيدا بذكر ذلك ، ومنه قول ابن دريد :
ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن ، فلما لم يهدهم عقولهم لما نصب لهم من الأدلة ، وأسبغ عليهم من النعم ، وأحل بالمكذبين قبلهم من النقم ، أرسل فيهم رسولاً ، دل على ذلك بأداة التراخي فقال : { ثم أرسلنا } أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له ، ومن هنا يعلم أن بين كل رسولين فترة ، وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام العظمة وزيادة في التسلية فقال : { رسلنا تترا } أي واحداً بعد واحد ؛ قال الرازي : من وتر القوس لاتصاله .
وقال البغوي : واترت الخبر : اتبعت بعضه بعضاً وبين الخبرين هنيهة . وقال الأصبهاني : والأصل : وترى ، فقلبت الواو تاء كما قلبوها في التقوى . فجاء كل رسول إلى أمته قائلاً : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .
ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا ؟ قيل : { كلما جاء أمة } ولما كان في بيان التكذيب ، اضاف الرسول إليهم ، ذماً لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ولقصد التسلية أيضاً فقال : { رسولها } أي بما أمرناه به من التوحيد .
ولما كان الأكثر من كل أمة مكذباً ، أسند الفعل إلى الكل فقال : { كذبوه } أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك { فأتبعنا } القرون بسبب تكذيبهم { بعضهم بعضاً } في الإهلاك ، فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد ، بعضهم بالصيحة ، وبعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بغير ذلك ، فدل أخذنا لهم على غير العادة - من إهلاكنا لهم جميعاً وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر ، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب .
ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم ، جعلوا إياها ، فقال : { وجعلناهم أحاديث } أي أخباراً يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون ، وما أحسن قول القائل :ولا شيء يدوم فكن حديثاً *** جميل الذكر فالدنيا حديث
ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال : { فبعداً لقوم } أي أقوياء على ما يطلب منهم { لا يؤمنون* } أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة ، لأنه لا مزاج لهم معتدل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.