في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

21

( وقال الذين لا يرجون لقاءنا : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ! لقد استكبروا في أنفسهم ، وعتوا عتوا كبيرا . يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ، ويقولون : حجرا محجورا . وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا . أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا . ويوم تشقق السماء بالغمامونزل الملائكة تنزيلا . الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا . ويوم يعض الظالم على يديه ، يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتا ! ليتني لم أتخذ فلانا خليلا . لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ، وكان الشيطان للإنسان خذولا ) . .

إن المشركين لا يرجون لقاء الله ، أي لا ينتظرون هذا اللقاء ، ولا يحسبون حسابه ، ولا يقيمون حياتهم وتصرفاتهم على أساسه . ومن ثم لا تستشعر قلوبهم وقار الله وهيبته وجلاله ، فتنطلق ألسنتهم بكلمات وتصورات لا تصدر عن قلب يرجو لقاء الله .

( وقال الذين لا يرجون لقاءنا : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ! ) . .

فقد كانوا يستبعدون أن يكون الرسول بشرا . وكانوا يطلبون ، لكي يؤمنوا بالعقيدة التي يدعوهم إليها ، أن تنزل عليهم الملائكة تشهد بها ، أو أن يروا الله سبحانه وتعالى فيصدقوا . . وهو تطاول على مقام الله سبحانه . تطاول الجاهل المستهتر الذي لا يحس جلال الله في نفسه ، ولا يقدر الله حق قدره . فمن هم حتى يتطاولوا هذا التطاول ? من هم إلى جوار الله العظيم الجبار المتكبر ? من هم وهم في ملك الله وخلقه كالذرة التائهة الصغيرة ، إلا أن يربطوا أنفسهم بالله عن طريق الإيمان فيستمدوا منه قيمتهم . . ومن ثم يرد عليهم في نفس الآية قبل أن تنتهي ، يكشف عن منبع هذا التطاول :

( لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) . .

لقد عظم شأنهم في نظر أنفسهم ، فاستكبروا وطغوا طغيانا كبيرا . لقد تضخم شعورهم بأنفسهم حتى شغلهم عن تقدير القيم الحقيقية ووزنها وزنا صحيحا . لقد عادوا ما يحسون إلا أنفسهم وقد كبرت في أعينهم وتضخمت وعظمت ، حتى ليحسبونهم شيئا عظيما في هذا الكون يستحق أن يظهر لهم الله جل جلاله ليؤمنوا ويصدقوا !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

قوله تعالى : " وقال الذين لا يرجون لقاءنا " يريد لا يخافون البعث ولقاء الله ، أي لا يؤمنون بذلك . قال :

إذا لَسَعْتْهُ النحلُ لم يرج لَسْعَهَا *** وخالَفَها في بيت نُوبٍ عواملِ{[12108]}

وقيل : " لا يرجون " لا يبالون . قال :

لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما *** على أي جنب كان في الله مصرعي{[12109]}

ابن شجرة : لا يأملون ، قال :

أترجو أمَّةٌ قتلتْ حُسَيْنًا *** شفاعَةَ جده يوم الحساب

" لولا أنزل " أي هلا أنزل . " علينا الملائكة " فيخبروا أن محمدا صادق . " أو نرى ربنا " عيانا فيخبرنا برسالته . نظيره قوله تعالى : " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا "

[ الإسراء : 90 ] إلى قوله : " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " [ الإسراء : 92 ] . قال الله تعالى : " لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا " حيث سألوا الله الشطط ؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب ، والله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، فلا عين تراه . وقال مقاتل : " عتوا " علوا في الأرض . والعتو : أشد الكفر وأفحش الظلم . وإذا لم يكتفوا بالمعجزات وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة ؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين ، ولا بد لهم من معجزة يقيمها من يدعى أنه ملك ، وليس للقوم طلب معجزة بعد أن شاهدوا معجزة .


[12108]:البيت لأبي ذؤيب وتقدم شرحه في ج 8 ص 311 طبعة أولى أو ثانية.
[12109]:البيت من قصيدة لخبيب بن عدي قالها حين بلغه أن الكفار قد اجتمعوا لصلبه.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا} (21)

ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك ، وكثرة الصنائع ، والإحسان إلى جميع الخلق ، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه ، كائناً من كان ، لا سيما إذا كان بهذه الصفة ، لينال من إحسانه ، ويتعزز به على أقرانه ، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : { وقال } وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : { الذين لا يرجون } أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا { لقاءنا } فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد ، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك ، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم ، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم ، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال ، والانهماك في الضلال ، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف : { لولا } أي هلا ولم لا .

ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة ، عبر بالإنزال فقال : { أنزل } أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان { علينا الملائكة } أي كما أنزلت عليه فيما يزعم { أو نرى ربنا } بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها ، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة .

ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه ، لأن فيه اعتراضاً على من لا يحد وصف عظمته ، ولا تدرك مقاصد حكمته ، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل : ما حالهم في هذا ؟ { لقد } أي وعزتنا لقد { استكبروا } أي طلبوا بل أوجدوا الكبر . ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر ، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم ، قال : { في أنفسهم } أي بطلب رؤية الملائكة .

ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك ، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله ، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية ، قال : { وعتو } أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار ، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله : { عتواً كبيراً* } وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله ، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى : ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم !