في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (107)

97

( والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ، وتفريقاً بين المؤمنين ، وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ، واللّه يشهد إنهم لكاذبون . لا تقم فيه أبدا ، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ، فيه رجال يحبون أن يتطهروا ، واللّه يحب المطهرين . أفمن أسس بنيانه على تقوى من اللّه ورضوان خير ? أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ? واللّه لا يهدي القوم الظالمين . لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ، إلا أن تَقطع قلوبهم ، واللّه عليم حكيم ) .

وقصة مسجد الضرار قصة بارزة في غزوة تبوك ، لذلك أفرد المنافقون الذين قاموا بها من بين سائر المنافقين ، وخصص لهم حديث مستقل بعد انتهاء الاستعراض العام لطوائف الناس في المجتمع المسلم حينذاك

قال ابن كثير في التفسير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول اللّه - [ ص ] - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب . وكان قد تنصر في الجاهلية . وقرأ علم أهل الكتاب ؛ وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج كبير . فلما قدم رسول اللّه - [ ص ] - مهاجراً إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية . وأظهرهم اللّه يوم بدر ، شرق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها ، وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول اللّه - [ ص ] - فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد فكان من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم اللّه عز وجل ، وكانت العاقبة للمتقين . وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول اللّه [ ص ] . وأصيب في ذلك اليوم ، فجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشج رأسه - صلوات اللّه وسلامه عليه - وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم اللّه بك عيناً يا فاسق يا عدو اللّه ! ونالوا منه وسبوه ، فرجع وهو يقول : واللّه لقد أصاب قومي بعدي شر !

وكان رسول اللّه - [ ص ] - قد دعاه إلى اللّه قبل فراره ، وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول اللّه - [ ص ] - أن يموت بعيداً طريداً ، فنالته هذه الدعوة . . وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمر رسول اللّه - [ ص ] - في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - [ ص ] - فوعده ومناه وأقام عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول اللّه - [ ص ] - ويغلبه ، ويرده عما هو فيه ؛ وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك ؛ فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه - [ ص ] - إلى تبوك ؛ وجاءوا فسألوا رسول اللّه - [ ص ] - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، فيحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ؛ وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ! فعصمه اللّه من الصلاة فيه ، فقال : " إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا - إن شاء الله - " فلما قفل - عليه السلام - راجعاً إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل جبريل بخبر مسجد الضرار ، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم - مسجد قباء - الذي أسس من أول يوم على التقوى . فبعث رسول اللّه - [ ص ] - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة . . [ وكذلك روى - بإسناده - عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة ] .

فهذا هو مسجد الضرار الذي أمر اللّه رسوله - [ ص ] - ألا يقوم فيه ، وأن يقوم في المسجد الأول - مسجد قباء - الذي أقيم على التقوى من أول يوم ، والذي يضم رجالاً يحبون أن يتطهروا . ( واللّه يحب المطهرين ) . .

هذا المسجد - مسجد الضرار - الذي اتخذ على عهد رسول اللّه - [ ص ] - مكيدة للإسلام والمسلمين ، لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين ، وإلا الكفر باللّه ، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة ، الكائدين لها في الظلام ، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين . .

هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين . تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام ، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه ! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين ! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق ، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق ! . . . وتتخذ في صور شتى كثيرة . .

ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها ؛ وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها . ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول اللّه - [ ص ] - بذلك البيان القوي الصريح :

والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ، وكفراً ، وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل . وليحلفن : إن أردنا إلا الحسنى ، واللّه يشهد إنهم لكاذبون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (107)

فيه عشر مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " والذين اتخذوا مسجدا " معطوف ، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ، عطف جملة على جملة . ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء والخبر محذوف كأنهم{[8276]} " يعذبون " أو نحوه . ومن قرأ " الذين " بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء ، والخبر " لا تقم " التقدير : الذين اتخذوا مسجدا لا تقم فيه أبدا ، أي لا تقم في مسجدهم ، قاله الكسائي . وقال النحاس : يكون خبر الابتداء " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم " [ التوبة : 110 ] . وقيل : الخبر " يعذبون " كما تقدم . ونزلت الآية فيما روي في أبو عامر الراهب ؛ لأنه كان خرج إلى قيصر وتنصر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم ، فبنوا مسجد الضرار يرصدون مجيئه فيه ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم ، وقد تقدمت قصته في الأعراف{[8277]} وقال أهل التفسير : إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وبعثوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه ، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا : نبني مسجدا ونبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ، ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله ، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم فيه ) فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد ، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشيا قاتل حمزة ، فقال : ( انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ) فخرجوا مسرعين ، وأخرج مالك بن الدخشم من منزله شعلة نار ، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه ، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار ، ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعباد بن الأزعر ، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف . وجارية بن عامر ، وابناه مجمع وزيد ابنا جارية ، ونبتل بن الحارث ، وبحزج ، وبجاد بن عثمان ، ووديعة بن ثابت ، وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم . قال أبو عمر بن عبدالبر : وفيه نظر ؛ لأنه شهد بدرا . وقال عكرمة : سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم بماذا أعنت في هذا المسجد ؟ فقال : أعنت فيه بسارية . فقال : أبشر بها سارية في عنقك من نار جهنم .

الثانية - قوله تعالى : " ضرارا " مصدر مفعول من أجله . " وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا " عطف كله . وقال أهل التأويل : ضرارا بالمسجد ، وليس للمسجد ضرار ، إنما هو لأهله . وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار من ضار ضار الله به ومن شاق الله عليه ) . قال بعض العلماء : الضرر : الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة . والضرار : الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة . وقد قيل : هما بمعنى واحد ، تكلم بهما جميعا على جهة التأكيد .

الثالثة - قال علماؤنا : لا يجوز أن يبني مسجد إلى جنب مسجد ، ويجب هدمه ، والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا ، إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ . وكذلك قالوا : لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ، ويجب منع الثاني ، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه . وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه . وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة{[8278]}فوجد الصلاة قد فاتته ، فقيل له : إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد ، فقال : لا أحب أن أصلي فيه ؛ لأنه بني على ضرار . قال علماؤنا : وكل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه . وقال النقاش : يلزم من هذا ألا يصلي في كنيسة ونحوها ؛ لأنها بنيت على شر .

قلت : هذا لا يلزم ؛ لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير ، وإن كان أصل بنائها على شر ، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا . وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة . وقد ذكر البخاري أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل . وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم .

الرابعة - قال العلماء : إن من كان إماما لظالم لا يصلي وراءه إلا أن يظهر عذره أو يتوب فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن جارية أن يصلي بهم في مسجدهم ، فقال : لا ولا نعمة عين أليس بإمام مسجد الضرار فقال له مجمع : يا أمير المؤمنين ، لا تعجل علي فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه ولو علمت ما صليت بهم فيه كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا قد عاشوا{[8279]} على جاهليتهم وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب ما صنعت إثما ولا أعلم بما في أنفسهم فعذره عمر رضي الله عنهما{[8280]} وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء .

الخامسة - قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه فقال : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص{[8281]} قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) يهدم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره ، فما ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم . وذلك كمن بنى فرنا أو رحى أو حفر بئرا أو غير ذلك مما يدخل به الضرر على الغير . وضابط هذا الباب : أن من أدخل على أخيه ضررا منع . فإن أدخل على أخيه ضررا بفعل ما كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل ، فإن كان تركه أكبر ضررا من الضرر الداخل على الفاعل قطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأصول . مثال ذلك : رجل فتح كوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل ، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن ، ومعلوم أن الإطلاع على العورات محرم وقد ورد النهي فيه{[8282]} فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين ؛ إذ لم يكن بد من قطع أحدهما وهكذا الحكم في هذا الباب ، خلافا للشافعي ومن قال بقوله . قال أصحاب الشافعي : لو حفر رجل في ملكه بئرا وحفر آخر في ملكه بئرا يسرق منها ماء البئر الأولة جاز ؛ لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يمنع من ذلك . ومثله عندهم : لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفا يفسده عليه لم يكن له منعه ؛ لأنه تصرف في ملكه . والقرآن والسنة يردان هذا القول . وبالله التوفيق .

ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه ، كدخان الفرن والحمام وغبار الأندر{[8283]} والدود المتولد من الزبل المبسوط في الرحاب ، وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه . وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب ، فإن هذا مما لا غنى بالناس عنه ، وليس مما يستحق به شيء ؛ فنفي الضرر في منع مثل هذا أعظم وأكبر من الصبر على ذلك ساعة خفيفة . وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه .

السادسة -ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن امرأة عرض لها ، يعني مسا من الجن ، فكانت إذا أصابها زوجها وأجنبت أودنا منها يشتد ذلك بها . فقال مالك : لا أرى أن يقربها ، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها .

السابعة - قوله تعالى : " وكفرا " لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد ، قاله ابن العربي . وقيل : " وكفرا " أي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، قاله القشيري وغيره .

الثامنة - قوله تعالى : " وتفريقا بين المؤمنين " أي يفرقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا يدلك على أن المقصد الأكبر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب والكلمة على الطاعة ، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة حتى يقع الأنس بالمخالطة ، وتصفو القلوب من وضر الأحقاد .

التاسعة - تفطن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال : لا تصلى جماعتان في مسجد واحد بإمامين . خلافا لسائر العلماء . وقد روي عن الشافعي المنع ؛ حيث كان تشتيتا للكلمة وإبطالا لهذه الحكمة وذريعة إلى أن نقول : من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام ، وخفي ذلك عليهم . قال ابن العربي : وهذا كان شأنه معهم ، وهو أثبت قدما منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة .

العاشرة - قوله تعالى : " وإرصادا لمن حارب الله ورسوله " يعني أبا عامر الراهب ، وسمي بذلك لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم فمات كافرا بقنسرين{[8284]} بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين . فلما انهزمت هوازن خرج إلى الورم يستنصر ، وأرسل إلى المنافقين وقال : استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمدا من المدينة ، فبنوا مسجد الضرار . وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غسيل{[8285]} الملائكة . والإرصاد : الانتظار . تقول : أرصدت كذا إذا أعددته مرتقبا له به . قال أبو زيد : يقال رصدته وأرصدته في الخير ، وأرصدت له في الشر . وقال ابن الأعرابي : لا يقال إلا أرصدت ، ومعناه ارتقبت . وقوله تعالى : " من قبل " أي من قبل بناء مسجد الضرار . " وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسني ، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العلة والحاجة . وهذا يدل على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات ؛ ولذلك قال : " وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى " . " والله يشهد إنهم لكاذبون " أي يعلم خبث ضمائرهم وكذبهم فيما يحلفون عليه .


[8276]:من ع و هـ.
[8277]:راجع ج 7 ص 320.
[8278]:كذا في ب و ج و ك وفي هـ: "بني عامرة" والذي في الطبري: "بني عامر".
[8279]:في ب و ج: غشوا وفي هـ : عشوا . وفي ع: نشوا.
[8280]:من ع.
[8281]:الموضع الذي تجثم فيه وتبيض.
[8282]:في ع: عنه.
[8283]:الأندر: البيدر، وهو الموضع الذي يداس فيه الطعام، أي الحبوب.
[8284]:قنسرين (بكسر أوله وفتح ثانيه وتشديده ويكسر) : كورة بالشام.
[8285]:سمي غسيل الملائكة لأنه استشهد يوم أحد وغسلته الملائكة، وذلك أنه كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة غسلته. (عن الاستيعاب).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ} (107)

ولما ذكر الذين أقامهم في{[37180]} مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول المستور الموصوف بالمرود ، فألحق بهم الضرر فقال : { والذين } وهو معطوف في قراءة من أثبت الواو على قوله { وآخرون } وخبره على ما يليق بالقصة : منافقون ماردون ، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال سائل ، وذلك أنه لما{[37181]} قال تعالى { لا تعلمهم نحن نعلمهم } تشوفت النفس إلى الإعلام بهم ، فلما قال { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } اشتغل السامع بتفهمه ، وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام{[37182]} من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال ، فلما انتقل بقوله { وآخرون مرجون } إلى قسم آخر ، وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق ، فاشتد تشوفه إليه فكان كأنه قال : منْ منَ الماردين منهم ؟ فقال تعالى الذين { اتخذوا مسجداً } أي{[37183]} من الماردين وهم من{[37184]} أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى{[37185]} الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا{[37186]} ، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما قبله ودليل على ما بعده ، ولذلك ختم قصتهم أيضاً بصفتي العلم والحكمة ، ولاح من هذا أن قوله { سنعذبهم مرتين } يمكن أن يراد به : مرة برجوعك ، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم ، وبَيَّنَ سبحانه علة اتخاذهم بقوله : { ضراراً } أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة{[37187]} { وكفراً } أي بالله لاتخاذ دينه هزؤاً { وتفريقاً } أي مما{[37188]} يبيتونه من المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك المسجد المؤسس{[37189]} على التقوى { بين المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان بما جاء من عند الله ، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص{[37190]} بهم { وإرصاداً } أي إعداداً وانتظاراً { لمن حارب الله } أي الملك الأعظم { ورسوله } ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل } أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفاً يأوون إليه ورأساً لهم{[37191]} يتجمعون{[37192]} عليه " وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف ، وهو والد{[37193]} حنظلة الغسيل الذي كان من خيار الصحابة ، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له : ما هذا الدين الذي جئت به ؟ قال{[37194]} : الحنيفية دين إبراهيم ، قال : أبو عامر : أنا عليها ، قال صلى الله عليه وسلم : لست عليها ، قال : بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها ، قال : ما فعلت ، ولكني جئت بها بيضاء{[37195]} نقية ، قال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريداً شريداً وحيداً غريباً ! فقال صلى الله عليه وسلم : آمين ! وسماه الفاسق ، ثم تحيز إلى قريش وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم معهم يوم أحد وقال : لا أجد قوماً{[37196]} يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن{[37197]} وانهزموا أيس وهرب إلى الشام ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج محمداً ! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه ، فبنوا مسجد الضرار وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم ليأتيهم فيصلي فيه ، وكان يتجهز لتبوك فقال : أنا{[37198]} على جناح سفر وحال شغل ، وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله ! فلما قدم فكان قريباً من المدينة نزلت الآية ، فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال لهم{[37199]} : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ، ففعلوا ، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامة ؛ ومات أبو عامر بالشام وحيداً غريباً طريداً " {[37200]}

وقيل : كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لاحق بمسجد الضرار .

ولما أخبر عن سرائرهم ، أخبر عن نفاقهم في{[37201]} ظواهرهم بقوله : { وليحلفن } أي جهد أيمانهم { إن } أي ما { أردنا } أي{[37202]} باتخاذنا له { إلا الحسنى } أي من الخصال ؛ ثم كذبهم بقوله : { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يشهد } أي يخبر إخبار الشاهد { إنهم لكاذبون* } وقد بان بهذا كله أن{[37203]} سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للإسلام وأهله ؛


[37180]:سقط من ظ.
[37181]:زيد من ظ.
[37182]:زيدت الواو بعده في الأصل ولم تكن في ظ فحذفناها.
[37183]:زيد من ظ.
[37184]:سقط من ظ.
[37185]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37186]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37187]:زيد من ظ.
[37188]:زيد من ظ.
[37189]:في ظ: المسس.
[37190]:من ظ، وفي الأصل: فيفيض.
[37191]:زيد من ظ.
[37192]:في ظ: يجتمعون.
[37193]:في ظ: ولد.
[37194]:من ظ، وفي الأصل: فإن، والقصة مسوقة في معالم التنزيل أيضا ـ راجع لباب التأويل 3/121.
[37195]:في ظ: بيضة.
[37196]:زيد بعده في الأصل: ما، ولم تكن الزيادة في ظ والمعالم فحذفناها.
[37197]:في ظ: هوام.
[37198]:في ظ: أن.
[37199]:زيد من ظ.
[37200]:زيد من ظ.
[37201]:في ظ "و".
[37202]:زيد من ظ.
[37203]:في ظ: أي.