( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . .
وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس . . الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . . لماذا ؟ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم . ولكنها لأنها تعلم !
( حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . .
والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين ، وما زالت تفيض ، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال . وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه ، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم ؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه ، والذي أنقدهم الله منه بالإيمان ، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود !
وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة ، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد ، والشر بالشر ، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ، وقتما يريد :
( فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره . إن الله على كل شيء قدير ) . .
قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق } فيها مسألتان :
الأولى : " ود " تمنى ، وقد تقدم{[1066]} . " كفارا " مفعول ثان ب " يردونكم " . " من عند أنفسهم " قيل : هو متعلق " بود " . وقيل : ب " حسدا " ، فالوقف على قوله : " كفارا " . و " حسدا " مفعول له ، أي ودوا ذلك للحسد ، أو مصدر دل على ما قبله على الفعل . ومعنى " من عند أنفسهم " أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به ، ولفظة الحسد تعطى هذا . فجاء " من عند أنفسهم " تأكيدا وإلزاما ، كما قال تعالى :
{ يقولون بأفواههم{[1067]} }[ آل عمران : 167 ] ، { يكتبون الكتاب بأيديهم } [ البقرة : 79 ] ، { ولا طائر يطير بجناحيه{[1068]} } .
[ الأنعام : 38 ] . والآية في اليهود .
الثانية : الحسد نوعان : مذموم ومحمود ، فالمذموم : أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم ، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا ، وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله{[1069]} } [ النساء : 54 ] وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه ، وأنه أنعم على من لا يستحق . وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام : " لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار " . وهذا الحسد معناه الغبطة . وكذلك ترجم عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكمة " . وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره ، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ، ومنه قوله تعالى : { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون{[1070]} } [ المطففين : 26 ] أي { من بعد ما تبين لهم الحق } أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الذي جاء به .
قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : { فاعفوا } والأصل اعفووا ، حذفت الضمة لثقلها ، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين . والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب . والصفح : إزالة أثره من النفس . صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه . وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ، ومنه قوله تعالى :
{ أفنضرب عنكم الذكر صفحا{[1071]} } [ الزخرف : 5 ] .
الثانية : هذه الآية منسوخة بقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون } [ التوبة : 29 ] إلى قوله : { صاغرون{[1072]} } [ التوبة : 29 ] عن ابن عباس . وقيل : الناسخ لها { فاقتلوا المشركين{[1073]} } [ التوبة : 5 ] . قال أبو عبيدة : كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال . قال ابن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف ، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة .
قلت : وهو الصحيح ، روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية{[1074]} وأسامة وراءه ، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر ، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول{[1075]} - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة{[1076]} الدابة خمَّر{[1077]} ابن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا ! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن ، فقال له عبدالله بن أبي بن سلول : أيها المرء ، لا أحسن مما تقول إن كان حقا ! فلا تؤذنا به في مجالسنا ، [ ارجع إلى رحلك ] فمن جاءك فاقصص عليه . قال عبدالله بن رواحة : بلى يا رسول الله ، فاغشنا في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك . فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( [ يا سعد ]{[1078]} ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبدالله بن أبي - قال كذا وكذا ) فقال : أي رسول الله ، بأبي أنت وأمي ! اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة{[1079]} على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، فذلك فعل ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ، ويصبرون على الأذى ، قال الله عز وجل : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا{[1080]} } [ آل عمران : 186 ] ، وقال : { ود كثير من أهل الكتاب } فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم ، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش ، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين ، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش ، قال عبدالله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه{[1081]} ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ، فأسلموا .
قوله تعالى : { حتى يأتي الله بأمره } يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير . { إن الله على كل شيء قدير }{[1082]} تقدم ذكره ولله الحمد .
{ ود كثير من أهل الكتاب } أي : تمنوا ، ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر وأشباههما من اليهود الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين ، ويطمعون أن يردوهم عن الإسلام .
{ حسدا } مفعول من أجله ، أو مصدر في موضع الحال ، والعامل فيه ما قبله ، فيجب وصله معه ، وقيل : هو مصدر ، والعامل فيه محذوف تقديره يحسدونكم حسدا ، فعلى هذا يوقف على ما قبله ، والأول أظهر وأرجح .
{ من عند أنفسهم } يتعلق ب{ حسدا } وقيل : ب{ يود } .
{ فاعفوا } منسوخ بالسيف { بأمره } يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم .